الإستمرارية عندما تتحول إلى برنامج

كتب. علي فودي |صوت الجزائر | 05 مارس 2019

لقد عشنا في العقدين الماضيين نظاما نستطيع تسميته بنظام الطواحين! أسسه السيد بوتفليقة على بناء تحالفات ثم نسفها وبناء أخرى بدلها وهذا كله للحفاظ على الحكم بمواصفات الملك، في دولة الحكم المطلق التي لا يحاسب فيها مسؤول ولا يعاقب، طالما أنه يقدم الولاء المطلق للرئيس الملك.

إن الديناميكية لا تنبع من فراع او من انغلاق او من تكتيك محدود يراد منه خدمة الذات لا الشعب او الأمة، بل تنبع من رغبة الانسان خدمة غيره ووضع كل طاقاته في خدمة بلاده وشعبه.

والاستمرارية في الجزائر التي يتغنى بها التعساء، تعني الأمن والأمان للفاسدين والمرتشين، الذين يعينون في وظائف الدولة بالمحسوبية ويحطمون أحلام الشباب. في جزائر اليوم لا يمكن لك تأسيس شركة صغيرة أم كبيرة ويتركونك تعمل دون الوقوع في الحرام. يعتقدون أن الجزائر ورثوها عن آبائهم وأجدادهم وأن أفراد الشعب رعايا لا مواطنون.

هذه سياسة الهروب إلى الأمام التي تمارسها الأنظمة الشمولية عندما يطالب الشعب بالتغيير. يتغنون دائما بالاستمرارية، إن الوضع الحالي ـــــ وهو أتعس الأوضاع ـــــ أحسن من البديل أو التغيير، على رأي المثل؛ الذي نعرفه أحسن من الذي لا نعرفه!

حتى دكتاتور السودان عمر البشير، الذي تنازل عما يقارب ثلث أراضي بلاده، يتغنى بالاستمرارية، والتي تعني في عرفه المزيد من التنازل عن الأراضي السودانية ونكد عيش السكان.

و(مادورو) في فنزويلا، يتكلم عن الاستمرارية والتي تعني أن يصل التضخم الى سبعة مليار في المئة، وهو الآن سبعة مليون في المئة!

لا ينفع الشعب التغني بالماضي القريب والبعيد واللعب على العواطف.. مع فراغ في المحتوى السياسي وتقديم البرنامج الفعال الذي يأتي بالرفاهية والتقدم. الشعب لا يعيش بالكلمات.. يحتاج لمن يخدمه لا من يعذبه بأيديولوجيا مريضة.

الكاتب الكوبي الراحل رينالدو أريناس Reinaldo Arenas – المتوفى عام 1990 والذي صدرت له آخر رواية بعد مماته عام 1993 حملت عنوان "قبل مجيء الليل" – قارن بين النظام الرأسمالي المتوحش والنظام الشمولي المغلق فكتب يقول: "في النظام الرأسمالي المتوحش إذا ضربت على مؤخرتك يحق لك ان تصرخ!، في النظام الشمولي إذا ضربت على مؤخرتك عليك بالتصفيق"!

اليس هذا الحاصل عندنا الآن؛ تخلف وفساد وقرصنة للبلد ويريدون من الشعب التسبيح بحمد السيد عبد العزيز بوتفليقة. لا! نحن لا نصرخ ولا نصفق، نحن نعمل على فرض البديل الذي يأتي بالخير على الشعب والبلد.

الجزائر عليها ان تنهض من جديد نهضة قوية تستحقها، الجزائر التي حباها الله بالمناخ والطبيعة والشباب لماذا لا تصبح أحسن من فرنسا؟

علينا بأحداث قطيعة مع نظام حافظ على تخلف الشعب وأخر البلد، لا يقبل بالنصيحة ولا يسمح لأصحاب الأفكار أن تحولها الى مشاريع تخدم الشعب. شعاره في هذا لا نرحم ولا نترك رحمة الله تنزل على المواطن المطحون. هدفه الذي يعمل من أجله دون هوادة أن الجزائر لا تخرج من عنق الزجاجة التي وضعها فيها جيش الحدود عام 1962.

الاستمرارية تعني الغموض والدليل أن السيد بوتفليقة ومنذ نهاية عام 2013 أي بعد عجزه عن الكلام ومخاطبة الشعب بسبب المرض، لم يفكر في تعيين ناطقا رسميا باسم الرئاسة ينقل الاخبار من مصادرها. لماذا؟ حتى يستمر التشنج والترقب والغموض والاحباط والفوضى. والهدف نفسه الذي جعله يعين واحد مثل عبد المالك سلال على رأس الحكومة أو قبول جمال ولد عباس على رأس الحزب المحتكر للسلطة، حتى ينشغل بهم الشعب وينسوه في مرضه وعجزه وعدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية. لم يكن المسعى هو اختيار الأحسن أو النظيف في المنصب، إنما الأولوية للمهرج والذي تسلط عليه الأضواء بحماقاته وغبائه. لقد بنى حكمه على ما نستطيع تسميته بتدوير المسؤولين الفاشلين، فيعين أحدهم في وزارة معينة ثم يقيله منها، وبعد فترة نجده في وزارة أخرى يرتع فيها ويسرق ويفسد. لم يحدث في العالم أن عين الوزير الأول أكثر من مرة في منصبه، ماعدا في الجزائر المظلومة.

علينا بالعمل لرد الاعتبار لمؤسسات الدولة بدل التغني بالاستمرارية الهدامة؛ لقد قضى نظام السيد بوتفليقة على المؤسسات وحل شخصه محل كل مؤسسة، وهو امتياز لم يحصل عليه حتى أعتى الملوك في الأرض. أصبحنا نشاهد أن من يذكر اسمه ثلاث مرات في اليوم يصبح منزه عن الخطأ يفعل ما شاء، حتى وان وظف كل أفراد عشيرته في المؤسسة التي يسيرها، وإن سرق ونهب فلا حرج عليه. ومن وجد خيط يوصله الى السعيد شقيق الرئيس، فقد أشرقت عليه الشمس وسيحصل على ما يطلب، رغم أن هذا الأخير رسميا لا يشتغل في أي منصب، لم يعين لا بقرار ولا بمرسوم. رغم ذلك نرى الجمع في مجلسه ومنهم الوزراء كأنهم وقع على رؤوسهم الطير. حتى أن أحد ممثلي (الإخوانية) وهو السيد مقري عندما التقى به قبل فترة قصيرة للنقاش حول موضوع إمكانية تأجيل الانتخابات، فعل ذلك وهو يعلم أنه يتكلم مع شخص خاص لا يمثل أي سلطة من سلطات الدولة، وقد قبل مبدئيا فكرة التأجيل وروج لها في الصحافة، قبل أن ينقلب على ذيله ويركب موجة الترشح، ثم ينسحب أخيرا. نحن نعتقد أن هذه هي أزمتنا بداية، الناس تقبل الذل والهوان وإنقاص من قيمتها الإنسانية، وتسمح أن يعفس على كرامتها، لهذا استطاع النظام تغيير الدستور في 2008، حتى يتسنى للسيد بوتفليقة الترشح لعهدة ثالثة في 2009، ليبدأ الانهيار والتسيب. لقد خرج الأمر كله عن الأطر القانونية في التعامل. كيف نسمح للسيد بوتفليقة مخاطبة الشعب بالفرنسية وينقل خطابه عبر التلفزيون دون ترجمة على الأقل، وأكثر من ثلثي الشعب لا يفهم ما يقول؟ كأنه يخاطب الطواحين! حتى وصلنا أن نخبته التي أختارها لتسير أمور الأمة تتصرف تصرف البلطجية مثل قطاع الطرق، والتسجيل المسرب عن الحديث الذي دار بين مدير حملته المقال عبد المالك سلال وبين المختلس لأموال الشعب وواجهة وجوه فاسدة كثيرة علي حداد خير دليل على ما نقول.

إن حضور ما يقارب الـ 200 مواطن لسحب استمارات الامضاءات للترشح لمنصب الرئاسة، إنما يعود بالدرجة الأساس إلى أنهم يرون أن هذا المنصب أصبح شاغرا، لم يعد له حرمة. نعم هناك مجموعة لا يستهان بها من القوانين وجيش رجال الأمن والعبيد لحماية شخص الرئيس الملك، لكن الرئاسة نفسها لم يعد لها وجود منذ 2013.

عليك أن تتأكد من ذلك من تصرف الوزراء وضباط الجيش، الذين يتصرفون في وظائفهم وكأنهم في مزارعهم الخاصة، كما أنك تتأكد من شغور المنصب عندما تلاحظ ذلك الحضور الخافت للجزائر في المحافل الدولية، لأن الرئيس الذي يمثلها عاجزا عن القيام بذلك فيبعث مسؤوليه المدورين للنيابة عنه في الحضور.

وبعد المهزلة التي جرت قبل أمس عندما داس المجلس الدستوري على الدستور، بإعفائه السيد بوتفليقة من الحضور الى مقر المجلس لتقديم طلب ترشحه، أصبحت الجزائر بلا رئاسة ولا دستور، إنه الفراغ المطلق، الذي يفتح المجال للفوضى الخلاقة، إذا لم يتدارك المشاركون في الحراك الشعبي السلمي الوضع بتعيين ممثلين رسميين لهم على مستوى المحافظات ومجلس وطني يعمل وبسرعة لا تقبل التأخير في وضع برنامج عمل يطرح كبديل لنظام مفلس ومرتشي فقد شرعيته عام 1962.

AlgeriaVoice

Author: AlgeriaVoice

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *