الدينار الجزائري والإصلاح النقدي

تشريح وضع متأزم

 

   إذا قام الفرد بزيارة بلد ما لم يزره من قبل، فالأكيد أنه يعرف الوضعية السياحية للبلد ومدى تحضر وتقدم أهله بمجرد وضع قدمه على أرض المطار الذي ينزل فيه، إن كان سافر بالطائرة ومن محطة القطار، إن كان سافر بالقطار أو الحافلة.

   وكذلك الحكم على الوضعية الإقتصادية للبلد، فهي تتم بلا شك من الحالة التي تكون عليها العملة ومن شكلها. فالعملة هي بطاقة تعريف الإقتصاد إجمالا. لهذا يتوجب في كل إقتصاد شعبي أن تحصل على العناية اللازمة والإهتمام المطلوب…

وضع متأزم:

   يلتقي جزائريون يوميا بجزائريين آخرين يعرضون على بعضهم البعض البضائع والخدمات.. بكل تأكيد أن المقابل الذي يحصل عليه عارض البضاعة أو مقدم الخدمة هو أموال نقدية أو العملة وإسمها في الجزائر الدينار.

   والعملة وجدت أساسا لتعويض نظام المقايضة. مقايضة سلعة بأخرى. ولهذا إذا كانت العملة مغشوشة ـ لسبب أو لآخر ـ فكأن المرء يستبدل بضاعة سليمة ببضاعة مغشوشة.

  والعملة الجزائرية بشكلها الحالي ووضعيتها تحولت إلى عبء يومي للمواطن والزبون والتاجر.

   لقد وصلنا اليوم إلى ان كل جزائري يحمل في جيبه مقبرة متنقلة للنقود الجزائرية. كأن التداول يتم بعملات أثرية أو مستخرجة من تحت الأنقاض!

   لقد عاينت في عدة مرات كيف أن الباعة يرفضون إستلام أوراق نقدية مهترية ممزقة، فيقول أحدهم للشاري أرجوك أعطيني غيرها!

فسواء من جهة المستهلك أو من جهة التاجر، الكل ناقما على الدينار، ليس فقط لمستواه المتدني، بل كذلك للشكل الذي يظهر به؛ ممزق.. مهتري..  قديم.. وسخ.. متعدد..

   وتعدده في العملات المعدنية والأوراق النقدية المتداولة بشكل فوضوي ومكدس عبر السنين. 100 دينار على سبيل المثال موجودة في شكل ورقة نقدية وموجودة كذلك في شكل معدن! والعشرة دنانير موجودة كورقة نقدية وكعملة معدنية قديمة وأخرى جديدة، طبعا هناك فارق شاسع بين الشكلين! واحد دينار موجود في شكل معدني صغير، الرسومات والأرقام المنقوشة عليه تكاد تمحى بالكامل، وهذا حال كل أشكال العملة المعدنية المطبوعة حديثا، وهناك واحد دينار قديم لا يزال في التداول وهو يفوق حجم الـ 5 دنانير جديدة! والموجودة بدورها في الشكل القديم وتفوق حجم الـ 100 دينار وهكذا!!

   العملة المعدنية بقيمة 50 دينار تشبه تقريبا العملة المعدنية 200 دينار، فقد تتقدم من البائع وتشتري بضاعة ويطلب منك دفع المبلغ وتعطيه 50 دينارا، وأنت تعتقد أنها 200 دينار والعكس صحيح!، لأن الفوارق بين المعدنين ضئيلة جدا.

   الـ 200 دينار موجودة في ثلاث أصناف: عملة معدنية، ورقة نقدية صغيرة الحجم قليلا وأخرى كبيرة وقديمة، وهذه الأخيرة التي شرع بنك الجزائر في سحبها من التداول في أجل أقصاه 2025. هذه الفوضى النقدية محبطة للإنسان الجزائري ومدمرة للعملية الاقتصادية، لهذا وجب على الجهات المعنية إحداث تغييرات راديكالية تصلح بموجبه هذا العصب الحساس للغاية، والإصلاح النقدي هو الحل الناجع (1).

الإصلاح النقدي:

   من المفيد ماليا واقتصاديا، هو إحداث إصلاح راديكالي للنقد الجزائري. فالتضخم المتراكم عبر عشرات السنين (2)، والتعدد للوحدات النقدية (ورقية ومعدنية) يحتم على البنك المركزي الجزائري اتخاذ التدابير اللازمة لتطوير النظام النقدي وإصلاحه.

   لقد سبقتنا بلدان عديدة في إصلاح نقدها، وكانت لعملية الإصلاح تلك نتائج إيجابية مفيدة، نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر ألمانيا وتركيا:

 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي ألمانيا الغربية التي كانت تحت سيطرة القوات الأمريكية والفرنسية والإنجليزية، قررت السلطات الأمريكية بالتعاون مع خبراء ألمان، إصلاح النقد وتغيير العملة كمؤشر على انطلاقة جديدة وعهد جديد، وهكذا دخل الإصلاح النقدي يوم 20 جوان 1948 حيز التنفيذ، وفي اليوم الموالي، أصبح المارك الألماني (Die Deutsche Mark) العملة الوحيدة المسموحة بها في التداول داخل ألمانيا الغربية. لكن قبل ذلك كانت دراسات ونقاشات مكثفة انطلقت يوم 23 جويلية 1947 قام بها المجلس الاقتصادي تحت قيادة الألماني (لودفيغ ايهارت)، وبتعيين من طرف السلطات الأمريكية. لقد كان الإصلاح النقدي قرارا مهما استفاد منه الاقتصاد الألماني وأحدث النقلة المنتظرة، وأصبح المارك الألماني من أهم العملات في العالم وأقواها، حتى أن كثير من الألمان لا يزال يحن إليه ويتمنى لو يعاد العمل به بدل الأورو الأضعف مقارنة.

  تركيا كذلك أقدمت على خطوة جريئة عام 2004 بإصدار العملة التركية الجديدة (Yeni Türk Lirası) في شكل جديد وحلة جديدة وحذف من الليرة القديمة 6 أصفار، حيث أصبحت ليرة جديدة واحدة تعادل مليون ليرة قديمة، وقد بدأ العمل بهذه العملة الجديدة رسميا يوم 01 يناير 2005 وإلى غاية 31 ديسمبر 2008، ثم أصدرت من جديد أوراق نقدية جديدة دائمة، بنفس قياسات العملة المؤقتة.

   هناك الكثير من العرب منبهرون بالوثبة الاقتصادية التي حققها الأتراك في العشر سنوات الماضية والنمو الاقتصادي الكبير الذي حققه الأتراك، ولكن هؤلاء العرب كعادتهم يتأثرون دائما بالأشخاص ويعبدونهم ولهذا تجدهم يتكلمون فقط عن شخص (رجب طيب أردوغان) ونسوا أن المسيرة التي قطعتها تركيا مردها بالأساس الى الإجراءات التكنوقراطية في الاقتصاد، وقد قاد هذه المسيرة جيش من التقنيين الأتراك المتكونين والصادقين مع شعبهم ووطنهم، ومن الإجحاف الكبير الكلام عن شخص واحد فقط مهما كانت مكانته ودوره داخل نظام الحكم.

   فالجزائر تحتاج الإصلاح النقدي اليوم قبل الغد. ولتستفيد من تجارب البلدان التي مرت على هذه التجربة كألمانيا وتركيا، فلا انطلاقة اقتصادية حقيقة دون هذا الإصلاح، بسياسة مالية جديدة ودينار جديد مؤقت لسنة أو سنتين ويحذف منه صفرين، حتى تصبح 100 دينار قديم بواحد دينار جديد، قبل أن يثبت بشكل نهائي، وتثبت معه المؤسسات المالية التي تصهر على حمايته والرفع من قيمته، وسيكون ذلك بلا شك حافزا قويا للاقتصاد.

  وهذا الإصلاح لا يشمل فقط تغيير شكل العملة، بل كذلك إصدار قوانين جديدة تحدد سعر السيولة النقدية، مدخرات البنوك وعلاقة ذلك ببنك الجزائر (البنك المركزي) وتحديد صلاحيات مدير البنك، الذي من المفترض أن تكون قراراته مستقلة سيادية، الهدف منها خدمة العملة والوضعية المالية للبلاد والرفاهية الاقتصادية للشعب، وألا يكون دمية في يد النظام السياسي الحاكم في البلاد. صحيح أن تعيينه يتم من طرف الحاكم أو الرئيس، لكن بعد تعيينه يتصرف بكل استقلالية وسيادة. فمدير بنك الجزائر ليست مهمته فقط قراءة الأخبار السيئة حول مدخرات الجزائر من العملة الصعبة. بل أن من مهمته الأساسية هو السهر على السيرورة الحسنة للعملة والإجراءات المالية الملحقة بها، كالفوائد وغيرها.

   كيف تكون أشكال العملة المعدنية والعملة الورقية للدينار الجديد، هذا يحدده الخبراء الذين يعينون في مناصبهم ويكلفون بمهمة إصلاح النقد.

أما الوقت المحدد لاستبدال العملة القديمة بالجديدة، فهو ينقسم الى قسمين:

. بالنسبة للمستهلك فلتحدد فترة زمنية أقصاها شهر، للتداول بالعملة القديمة والجديدة في نفس الوقت، وبعدها تصبح العملة الجديدة الوحيدة المسموح بها في التداول.

. أما استبدال العملة على مستوى البنوك، فتبدأ بشهر قبل الشروع في العمل بالنظام النقدي الجديد، وتنتهي بعد 3 سنوات، حتى يفسح المجال لتثبيت عملة جديدة مكان العملة المؤقتة.

  وهكذا تختفي الأوراق القديمة من التداول خلال شهر واحد.

  لا يمكن التحدث عن انطلاقة جديدة وحقيقية في العملية الاقتصادية والبحث عن مداخيل جديدة خارج الريع البترولي بدون هذا الإصلاح!

   فالإصلاح النقدي لديه تأثير معنوي كبير يقود آليا على المدين المتوسط والبعيد إلى التأثير المادي، حيث ترتفع قيمته.

 

فالجانب المعنوي يرفع من طموحات الشعب وإعطائهم ثقة أكبر في اقتصاد البلد، وأخذ عملية التداول والمعاملات على محمل الجد، بما يعني تقديم مجهودات أكثر وإنتاج متنوع، يؤدي إلى زيادة في الاستهلاك الذي يؤدي بدوره إلى الزيادة في الاستثمارات كما ونوعا، وتوفير فرص عمل إضافية مع ارتفاع ملحوظ في قيمة الأجور، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى زيادة في الدخل الإجمالي للبلاد، ويرفع من قيمة الدينار، وبما يعني ارتفاع القدرة الشرائية للمواطن.. وهكذا يخرج الدينار من الحلقة المفرغة ألتي وضعته فيها كل الأنظمة ألتي تعاقبت على حكم الجزائر منذ 1962 إلى اليوم.

فأولا وقبل كل شيء وضع عملة نظيفة وقوية. الدينار الحالي عبارة عن فوضى وانخفاض ممنهج وتقدير مجحف وظالم. وعملة نظيفة معناه تحسين شكله وتوحيده.

   منطقة الأورو بدأت العمل بالعملة الجديدة الموحدة منذ 2002، وهي الآن في عملية تجديد لأوراقها النقدية، ورقتي 5 أورو و10 أورو استبدلتا بورقتين جديدتين، أكثر أمنا ومقاومة للتزوير. حتى أنك نادرا ما تتقاطع في المعاملة اليومية مع الورقتين القديمتين، لأن آليات التجديد تتم في هدوء وبطريقة مدروسة. الورقة القديمة التي تدخل البنك لا تخرج منه وتعوض بالورقة الجديدة وهكذا..

   أما فيما يخص قوة العملة فبكل تأكيد، أننا نحتاج إلى أكثر من عملية الإصلاح النقدي الضروري، أو تغيير ورقة بأخرى:

. تحرير سعر الصرف، وتقييمه على حقيقته، وبهذا تتوقف سياسة تخفيض قيمة الدينار عند وضع الميزانية (3) لتغطية العجز، جراء سوء التقدير، وخلال السنة المالية الواحدة، جراء سوء التسيير.

 كما أن بهذا الإجراء (تحرير سعر الصرف) ستتوقف به مسرحيات مكافحة تجارة العملة الصعبة في السوق السوداء.

. القضاء على فوضى الأسعار: قال مؤخرا وزير التجارة أنه ليس من صلاحية وزارته مراقبة الأسعار، رغم علمنا أن الدولة تعتمد عملية دعم الأسعار للمواد الأساسية منذ نشوء الدولة حديثا في عام 1962، فكيف لا تراقب الأسعار. ألمانيا التي تتبع نظام السوق الاجتماعي تراقب الأسعار، وتتدخل الجهات المختصة، إذا كان هناك تفاهم في تحديد الأسعار بين تجار البضاعة الواحدة (مواد غذائية وغيرها) لمعاقبة أولئك التجار. ففي اقتصاد السوق، من مصلحة المواطن تحرير الأسعار، لكن في النظام المخطط كالنظام الجزائري، التي تصرف فيه الملايير لدعم المواد الغذائية، كيف يقول عضو في حكومتها أنه ليس من صلاحية وزارة التجارة مراقبة الأسعار؟!

. إتباع سياسة ناجعة في تحديد سعر الفائدة وعدم التذبذب فيها. لا بد أن يكون معدل الفائدة على الأقل بمعدل التضخم في السنة الجارية. أما كما هو جاري الآن فيما يعرف بالقروض الداعمة للاستثمار وألتي يرفع فيها سعر فائدة مقدر بـ 1%، فهذه إجراءات اجتماعية بحتة.

. القضاء على البيروقراطية بوضع نظم مراقبة مالية صارمة وقوانين مفهومة وفي متناول الجميع.

   عندما انهارت أسعار البترول نهاية السنة المنصرمة، سمعنا بعض الوعود من المسؤولين الجزائريين لتحسين الاقتصاد والخروج من المأزق. لكن أي مسؤول أو نظام لا يتكلم عن تحسين الوضعية النقدية وتجديدها، لا يمكن أخذ كلامه على محمل الجد.

   منذ سنة 2000 عرفت خزائن الدولة الجزائرية مداخيل ريعية كبيرة، ووصلنا نهاية عام 2014 باحتياطي نقدي بلغ 200 مليار، لكننا نعيش الآن العد العكسي لهذه المدخرات، بل أن تقديرات الصندوق الدولي تقول إنه إذا استمرت الجزائر بهذه السياسية المالية الحالية والرجوع بين الحين والآخر للأكل من مدخراتها، فلن تصمد هذه المدخرات 15 شهرا، وتعود بعدها الجزائر الى المديونية والسنوات العجاف التي عاشها الجزائريون بكل مرارة منذ منتصف الثمانينات وحتى نهاية التسعينات من القرن الماضي.

علي فودي

مجلة الملاحظ | عدد: ماي ـ جوان 2015

هوامش:

1)   كندا ـ على سبيل المثال ـ بدأت منذ العام الماضي بطبع حروف (بريل) على أوراقها النقدية حتى يتمكن المكفوفون التداول بها دون صعوبة. في الوقت الذي حير فيه الدينار الجزائري الأصحاء وأفسد ذوقهم وأحبط معنوياتهم!

   فأين هي الصعوبة في أن نتعلم من البلدان التي سبقتنا في العلم وتطوير الخدمات المالية وغيرها؟ أم أنه محكوم علينا أن تبقى عملتنا النقدية أكثر رداءة، وأسوء حتى من تلك التي يتداولها الناس في الصومال وزمبابوي؟

2) التضخم جعل الدينار عملة ضعيفة جدا. وبسبب سياسة التعتيم لا يمكن إعطاء النسبة الحقيقية (ونحن لا نقصد هنا تراجع الدينار مقابل الدولار الأمريكي، حيث فقد 9% من قيمته منذ بداية هذا العام)، نحن نقصد هنا القيمة الحقيقية للعملة التي تتأثر بالتضخم وارتفاع الأسعار، بحيث أن واحد دينار اسمي لا يعني بالضرورة واحد دينار حقيقي. وعلى سبيل المثال هنا، فإن الأورو فقد 22% من قيمته منذ بدأ العمل به عام 2002 وإلى غاية نهاية 2010.

3) ما قاله الدكتور بشير مصيطفى على موقع التواصل الاجتماعية، فايسبوك كإجابة على تعليقي على موضوع له طرحه يوم 16 أوت 2012:

"الدينار الجزائري لا يخضع لنظام الصرف المعوم بل لقرارات بنك الجزائر أي يخضع لنظام الصرف الاداري، وعليه وحتى تضمن الحكومة القدرة على الانفاق يقوم بنك الجزائر بخفض قيمة الدينار لقاء العملات الرئيسية حتى تحصل على جباية نفطية عالية لأن الجباية النفطية مقيمة بالدولار".

AlgeriaVoice

Author: AlgeriaVoice

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *