بين جزائر 1992 وجزائر 2012

أو بين جزائر مازال واقفين وجزائر التطور الى الوراء

علي فودي | صوت الجزائر | 27 نوفمبر 2012

مقدمة لا بد منها..

بعد أكثر من عقدين من الغياب عن بلادي الجزائر كتب لي الله سبحانه وتعالى زيارة هذا البلد الرائع بوم 14 أكتوبر 2012.. تمكنت من خلال هذه الزيارة اعطاء نظرة كافية عن التغيرات التي طرأت خلال العشريتين الماضيتين.. ومن خلال هذه النظرة ارتأيت اعطاء بعض الملاحظات على ما سجلته من تحولات.. لكن قبل ذلك أسجل ما يلي:

. المعلومات التي أقدمها لكم في هذا الموضوع المتواضع، انما حصلت على أغلبها بالملاحظة والتمعن ومحاولة مقارنة الاشياء كما كانت عليه قبل مغادرة الجزائر بداية التسعينيات.

. في كل كتاباتي منذ 1987 والى اليوم لا أراعي الا ضميري ومرضاة الله سبحانه وتعالى.. لا اسعى من وراء كتاباتي لا المال ولا الجاه ولا ارضاء اي كان.. في هذا الموضوع لم يتغير الامر ولن يتغير في المستقبل بإذن الله تعالى..

. لم يحدث ان عانيت عراقيل او ضغوطات من اي جهة كانت فقد دخلت الجزائر كأي مغترب وخرجت كخروج أي مغترب.. لهذا وجب علي التركيز على هذا، لأن لهذا دوره الذي لا يمكن الاستغناء عنه عندما تطالعون ما أكتب هنا..

فيما يخص الوضع الجزائري عامة اصفه لكم في هذه الجمل القصيرة:

ـ الجانب السياسي..

لقد حولت حالات الرعب والخوف في العشريتين الماضيتين الى حالة الولاء الكامل، وقد تلتقي بعض المناضلين السابقين في الفيس الان هم ناشطون على مستوى الارندي أو الافلان.. من النقيض الى النقيض.. التقيت كثير من النخب التي كانت تربطني معها صدقات.. لم يعد يهمها السياسة وحرارتها.. بل كلامها عن المال والربح السريع وفلان بنى وعمر ولا يهم ما يعيشه الفقراء والمحرومين… كنا قبل التسعينيات نحلم بالمثالية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم.. كنا نفكر للصالح العام.. أما الآن فكل يفكر في نفسه وأهله فقط.

هناك توجه واضح للبقاء على الوضع كما هو ومحاولة تجنب اي تغيير ربما يذهب بالفاعلين داخل النظام الحالي واستقدام غيرهم من اي أيديولوجية كانت.. نستطيع معاينة ذلك في امرين هامين:

ـ تجريد رؤساء المجالس البلدية من اغلب صلاحياتها وتحويلها الى رؤساء الدوائر.. رئيس بلدية لا يستطيع حتى توزيع مسكن واحد.. الذي يقوم بهذا هو رئيس الدائرة المعين لا المنتخب.. طوق حديدي مضروب في صمت..

ـ ظاهرة تعيين الائمة وتحويلهم كما يحول رؤساء الدوائر والولاة ورجال الدرك.. في مدينة شمالية تتوفر على ثلاث مساجد كل أئمتها من الجنوب..

ـ الجانب الاجتماعي..

هناك حرمان مفرط وفقر مدقع وغياب المرافق الاجتماعية.

ـ العمران..

فهو كارثة بكل المقاييس.. بل هو أب الكوارث.. يعني في 1992 كان الوضع من ناحية التنظيم والانضباط في البناء أحسن من الان بكثير.. الآن أنت امام حالة بناء فوضوي لا ضوابط له.. كل البنايات سواء كانت للسراقين او لأصحاب المال المغتنين زمان العنف الاعمى او للناس البسطاء غير مكتملة، لهذا اصبحت المدن عبارة عن ورشات البناء وحولت بموجبه المدن الى ارياف… لن ترى بناية مكتملة.. الثقافة في هذا الجانب هو التظاهر في العلو في البنيان.. الربح يجسد عند الجميع ان تمتلك بناية على الطابق الاول والثاني وأكثر.. شكلها ومنظرها ومظهرها جوانب هامشية لا تعني لا الدولة ولا السكان أي شيء.. ثم أنك تشاهد بنايات بدون روح ولا مساحات خضراء أو أماكن الترفيه..

ـ الطرقات..

باستثناء الطريق السيار شرق غرب الذي يعتبر مقبول نوعا ما وان كان لا يزال يفتقر الى مرافق اجتماعية على طوله.. فالطرق داخل المدن والبلديات والدوائر كارثية بأتم معنى الكاملة.. محفرة مدمرة لو لم يكن الناس تمشي فوقها لحسبتها طرق لمدن مهجورة..

ـ النظافة.. في عام 1992 وما قبله كان على الاقل التاجر صاحب المحل ينظف امام محله وساكن المدينة او البلدية ينظف امام بيته.. القمامة الان اصبحت ميزة المدن والشوارع والقرى.. الدولة غائبة وعمال البلديات يحرقون النفايات السامة وغير السامة الورقية والبلاستيكية.. تدمير البيئة شعار الجميع. كان الجميع يذكر سطيف كمدينة نموذجية في النظافة.. لكنني رأيت شوارعها الوسخة العفنة والمهدمة.. ثم إذا كانت مدينة سطيف بهذا الحال فكيف هي احوال المدن الأسوء منها؟

ـ الاقتصاد..

سواء الشاحنات الصغيرة أو الكبيرة والسيارات والآلات (ما يعرف بسوق دبي بالعلمة الذي زرته) كلها خردة صينية.. الملابس عبارة عن شيفون للقضاء على الندرة.. الدينار أصبح بدون قيمة.. وبهذا ضعفت القدرة الشرائية.. الشعب مكبل، لكن كما قلت مساير للوضع صامت.

ـ الثقافة غائبة تماما..

ـ فيما يخص العنف.. هناك حواجز مرورية لرجال الدرك والشرطة وحتى الجيش مثلما هو الحال في بلدية أولاد موسى ببومرداس.. لكنهم كلهم وديين وواضعين الحواجز بدون مراقبة فعلية.. تراهم يدردشون.. كأنهم لا يخشون احدا.

ـ التربية..

لن أزيد على ما قاله لي صديقي الاستاذ في الثانوية العامة، عندما قال إنه في التعليم الثانوي مثلا في بعض الاقسام نسبة الطلبة الذين يحصلون على ملاحظات انذار وتوبيخ تقارب الـ 70%.. في الوقت نفسه هناك في بعض الثانويات نسبة النجاح في البكالوريا بلغت 70%!!

ـ المصالحة..

الشعب لا يتعامل فيما بينه على اساس أيديولوجي تمييزي وانما على اساس المصلحة..

الخلاصة..

عندما تعاين الامر من الداخل وعن قرب.. ترى ما تنشره بعض القنوات التي احترفت المعارضة (نعم تحترف المعارضة وتمارس الشعبوية والتهريج..) تستخف بها وتراها بعيدة كل البعد عن الواقع.. إذا فيه ثلة من المخلصين الجزائريين الذين يريدون الخير للجزائر ليس بالضرورة ان تجتر كلمة التغيير الجذري وهي لا تستوعبه.. احياء الذاكرة الجماعية واجب ولكن الأهم من ذلك أن الانسان لا يمشي 20 سنة أخرى على الهامش المقرف.. وهذا فقط لأنه يتكلم ويكتب بناء على ما هو في مخيلته عن جزائر 1992..

شخصيا سأغير أسلوب نضالي.. اسلوب الايصال وطريقة العمل ستختلف.. لأن الشعب الذي نتكلم عنه وما يصلح له تغير ولم يعد شعب 1992.. هناك حركة شبابية تمارس السياسة ولكن مواضيع حديثها موضوعية أكثر وتدور حول المعاناة اليومية وانتقاد مشاريع الحكومة والبلديات والولايات.. عن العمران ومحلات الرئيس (التي بنيت بطريقة استفزازية وبقيت بدون استعمال الى اليوم) والطرقات غير الصالحة للسير وغيرها من المواضيع.

لن احسب بعد اليوم على معارضة شعبوية.. بل سأنخرط كأي جزائري في العمل من اجل الجزائر وتقديم النصح قدر المستطاع.. سأمارس المعارضة الموضوعية العقلانية لا أكثر ولا أقل.

سأمتنع بعد اليوم عن ثلاث.. تخوين الناس ومقاطعة الانتخابات والمطالبة بالتغيير الجذري حتى وان كان بالطرق السلمية وحول هذه النقطة الأخيرة أقدم هذه الاضافة القصيرة..

اي تغيير جذري لا يكون وراءه الشعب يدعمه ويؤمن به هو انقلاب أكثر منه تغيير.. لكن الشعب لا يريد التغيير لا الجذري ولا الجزئي.. لقد تعود على حياة يعرفها.. على وضع فرض عليه فقبله على مضض… خاصة ان فيه أخطاء جسيمة مارستها بعض الاطراف التي كانت محسوبة على ((المعارضة)).. الكثير منها اغتنت على حساب الوضع تماما وبنفس الطرق التي اغتنت بها الجهات والجماعات التي تطالب ((المعارضة)) الآن الشعب التمرد عنها!! من يريد التغيير الجذري عليه بتغيير الشعب أولا وجلب شعب آخر يطلب هذا التغيير ويدعمه.. أما هذا الشعب الذي يعيش الآن في بلد اسمه الجزائر، فلا هذا الشعب له علاقة بشعب 1992 ولا البلد هو ذاك البلد الذي كان موجود في عام 1992..

من غير العدل إلصاق كل مشاكل الجزائر بالنظام.. الشعب يتحمل مسؤوليته الكاملة.. إذا كان الشعار الذي رفع منذ جويلية الماضي "مازال واقفين" مجسد في حياة المواطن اليومية امام المخابز والمحلات وفي الحافلات وفي الطوابير المختلفة، فان عملية تطوير الجزائر بهذا الشكل الذي تعيشه.. هي عملية تطور الى الخلف.. الحلول المطروحة اليوم لعلاج مشاكل الجزائر انما هي حلول ظرفية تكتيكية تؤجل المشاكل وتجعلها تتراكم على الأجيال القادمة لا أكثر.. ليس هناك نية في خدمة الجزائر لا من جانب الشعب ولا من جانب النظام… الذي لا ينظف أمام بيته ومحله ويرمي القارورات البلاستيكية في كل مكان، لا يتصرف هذه التصرفات المتخلفة لأن النظام طلب منه ذلك، انما نظرة المجتمع لهذه القيم الحضارية والانسانية هي التي تتحكم في مثل هذه التصرفات..

AlgeriaVoice

Author: AlgeriaVoice

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *