ربيع أم فصول أربعة؟

هكذا عبثت الجماعات الفاشلة بأحلام الشباب!

   عرفت الأحداث التي انطلقت بداية في تونس يوم 17 ديسمبر 2010 بالربيع العربي. حيث أدت تلك الأحداث إلى فرار رئيس النظام التونسي زين العابدين بن علي، ثم تنحي بعدها رئيس النظام المصري حسني مبارك، ليليها مقتل رئيس النظام الليبي معمر القذافي، كما استقال رئيس النظام اليمني عبد الله صالح، ولا يزال السوريون يقاتلون الى اليوم من أجل اسقاط نظام بشار الأسد.

وقد رفعت في كل الثورات المشار لها أعلاه شعار "ارحل!" ولكن هل تحقق مدلول هذا الشعار؟

نحن نطرح هذه الأسئلة المشروعة:

   هل الذي تعيشه بعض الشعوب العربية منذ قرابة الأربع سنوات ربيع أم فصول أربعة؟ بمعنى هل حصل التغيير المنشود، أم بقيت دار لقمان على حالها؟

   هل حققت الثورات السلمية والثورات المشفوعة بالعنف أهدافها أم أعيد من خلالها استنساخ الأنظمة التي كانت قبلها لا أكثر؟

  لماذا تقوم الشعوب بالثورات أساسا؟ هل لكي تنصب صعلوك مكان آخر؟ أم لتغيير الوضع وأحداث النقلة النوعية لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتأزمة؟

  ما هو الهدف من التغيير؟ هل هو لخدمة الناس أم لمعاقبتهم؟

   وقبل أن نخوض في تحليل هذه الأحداث واستخلاص النتائج والعبر، نريد قبل ذلك إلقاء نظرة مختصرة على كل ثورة على حدة، حتى يسهل علينا فهم ما جرى ويجري الى اليوم

تونس: الثورة التونسية والتي تعرف كذلك بثورة 14 جانفي، هي ثورة شعبية اندلعت أحداثها في 17 ديسمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي الذي قام بإضرام النار في جسده في نفس اليوم تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطة (توفي يوم 4 يناير 2011 في المستشفى بسبب حروقه البالغة)، أدى ذلك إلى اندلاع شرارة المظاهرات في يوم 18 ديسمبر 2010 وخروج آلاف التونسيين الرافضين لما اعتبروه أوضاع البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم. ونتج عن هذه المظاهرات التي شملت مدن عديدة في تونس عن سقوط العديد من القتلى والجرحى من المتظاهرين نتيجة تصادمهم مع قوات الأمن، وأجبرت الرئيس زين العابدين بن علي على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد إلى السعودية يوم الجمعة 14 يناير 2011. بعد تسلم حركة النهضة الإخوانية السلطة، جرت مظاهرات عدة تطالبها بالرحيل، فاضطرت لترك الحكم لحكومة تكنوقراط، وهي اليوم جزء من المعارضة لا أكثر.

*

مصر: ثورة 25 يناير هي مجموعة من التحركات الشعبية ذات الطابع الاجتماعي والسياسي انطلقت يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 حددته عدة جهات من المعارضة المصرية والمستقلين، من بينهم حركة شباب 6 أبريل وحركة كفاية وكذلك مجموعات الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر، جاءت الدعوة لها احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية السيئة وكذلك على ما اعتبر فسادًا في ظل حكم الرئيس محمد حسني مبارك.

أدت هذه الثورة إلى تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011 وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد. بعدها جرت انتخابات تشريعية ورئاسية أدت الى وصول الإخوان للسلطة، حيث استفردوا مع الوهابيين بالحكم ووضعوا دستورا لم يكن محل اجماع المصريين، فقامت ثورة ثانية على أنقاض الثورة الأولى مدعمة من طرف الجيش أدت الى انقلاب عسكري يوم 03 جويلية 2013 على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

*

ليبيا: ثورة 17 فبراير الليبية والتي تحولت الى حرب أهلية هي أحداث اندلعت سلميا وتحولت إلى نزاع مسلح إثر احتجاجات شعبية بداية في بعض المدن الليبية ضد نظام العقيد معمر القذافي، حيث انطلقت في يوم 15 فبراير إثر اعتقال محامي ضحايا سجن بوسليم في مدينة بنغازي فخرج أهالي الضحايا ومناصريهم لتخليصه وذلك لعدم وجود سبب لاعتقاله، وارتفعت الأصوات مطالبة بإسقاط النظام وإسقاط العقيد القذافي شخصيا مما دعا الشرطة إلى استخدام العنف ضد المتظاهرين واستمرت المظاهرات حتى صباح اليوم التالي.

وفي اليوم التالي انتفضت مدن أخرى أطلق فيها رجال الامن الرصاص الحي وقتلوا بعض المتظاهرين. وجاء يوم الخميس 17 فبراير 2011 على شكل انتفاضة شعبية شملت بعض المدن الليبية في المنطقة الشرقية ثم كبرت تلك الاحتجاجات بعد سقوط المئات ما بين قتيل وجريح برصاص قوات الامن ومرتزقة تم جلبهم من قبل النظام.

كانت الثورة في البداية عبارة عن مظاهرات واحتجاجـات سلمية، لكن مع تطور الأحداث وقيام الكتائب التابعة لمعمر القذافي باستخدام الأسلحة النارية الثقيلة والقصف الجوي لقمع المتظاهرين العزّل، تحولت إلى ثورة مسلحة بدعم حلف الناتو تسعى للإطاحة بالقذافي.

وبعد أن أتم المعارضون سيطرتهم على الشرق الليبي، أعلنوا فيه قيام الجمهورية الليبية بقيادة المجلس الوطني الانتقالي، وفي يوم 20 أوت انتفضت مدينة طرابلس وهي العاصمة الليبية وقد أفلح شباب العاصمة بإسقاط العاصمة ونظام القذافي، وبعدها في يومي 21 و22 أوت دخل الثوار إلى العاصمة طرابلس المحررة من شبابها المدعم من قبل قوات التحالف الأجنبية وسيطروا على آخر معاقل القذافي وقتل الأخير في سرت يوم 20 أكتوبر 2011.

لكن بمقتل القذافي لم تحل مشكلة الحكم في ليبيا، فهي لا تزال تعيش الحرب الأهلية وخطر التقسيم، حيث حروب طاحنة بين الجيش الليبي وعدة مجموعات مسلحة.

*

اليمن: ثورة الشباب اليمنية أو ثورة التغيير السلمية هي سلسلة من الاحتجاجات الشعبية اندلعت في اليمن مطلع العام 2011. استمرت ثورة الشباب فعليا حتى انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيسا للبلاد بعد تنحي الدكتاتور علي عبد الله صالح في فبراير 2012 ولكن ظلت الاعتصامات والمظاهرات تقام من فترة لأخرى حتى قيام الرئيس هادي بتفكيك شبكة أقارب صالح من الجيش والمناصب العليا ضمن خطوات إعادة هيكلة الجيش اليمني وفي يوم 18 أبريل 2013 رفعت آخر الخيام من ساحة التغيير بصنعاء وأعلنت تنظيمية الثورة تعليق الاعتصامات والمظاهرات لأول مرة منذ فبراير 2011. لكن لم يكن يعني ذلك أن اليمن عرف الاستقرار بشكل نهائي، فقد استمرت الحرب ضد الحوثيين الذين استطاعوا التغلب على الجيش النظامي ودخول صنعاء يوم 18 سبتمبر الماضي وأصبحوا الرقم الصعب في المعادلة اليمنية يفرضون فيها منطقهم بدعم حليفهم الأيديولوجي إيران.

*

سوريا: الأزمة السورية هي أحداث بدأت شرارتها في مدينة درعا حيث قام الأمن باعتقال خمسة عشر طفلا إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير 2011. في خضم ذلك كانت هناك دعوة للتظاهر على شبكات التواصل الاجتماعي استجاب لها مجموعة من الناشطين يوم الثلاثاء 15 مارس عام 2011 وهذه المظاهرة ضمت شخصيات من مناطق مختلفة مثل حمص ودرعا ودمشق. كانت هذه الاحتجاجات ضد الاستبداد والقمع والفساد وكبت الحريات وعلى إثر اعتقال أطفال درعا والإهانة التي تعرض لها أهاليهم بحسب المعارضة السورية، بينما يرى مؤيدو النظام أنها مؤامرة لتدمير المقاومة والممانعة ونشر الفوضى في سوريا لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى.

ثم توسعت تلك الاحتجاجات ضد حكم بشار الأسد وعائلته التي تحكم البلاد منذ عام 1971، قاد هذه الاحتجاجات الشبان السوريون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية ورفعوا شعار: «الله، سوريا، حرية وبس»، لكن قوات الأمن والمخابرات السورية وميليشيات موالية للنظام عُرفت بالشبيحة واجهتهم بالرصاص الحي فتحوّل الشعار إلى «الشعب يريد إسقاط النظام».

فالأحداث في سوريا بدأت بداية من طرف الشباب المعارض سلمية بمطالب جد عقلانية، لكن بالسياسة الأمنية التي أنتهجها النظام تحولت الى معارضة مسلحة، كان في البداية يمثلها ما يعرف بالجيش السوري الحر ثم خرجت جماعات أخرى كالنصرة وداعش وغيرها، ميعت قضية السوريين ومطالبهم وأنفرط الوضع بالكامل، حتى أصبحت سوريا تعيش حرب أهلية مدمرة، أدت الى نزوج أكثر من 8 ملايين سوري ومقتل أكثر من ربع مليون مواطن أغلبهم من الأبرياء المدنيين.

***

   كان هذا وصف مختصر للأحداث التي جرت منذ أواخر عام 2010 ولاتزال آثارها مستمرة الى اليوم، تغيرت خريطة المنطقة وتغيرت ملامح الثورات عدة مرات وخصوصا في مصر، التي انطلقت فيها ثورة ثانية أدت في 03 جويلية 2013 الى إسقاط حكم الإخوان وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي ليعوضه العسكر بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي. وبعدما عانى العراق لأكثر من عقدين من كل أنواع الظلم والتقتيل والقهر، لحقت به سوريا التي تواجه تحديا من نوع خاص، كون أن الدولة التي كانت لديها حدود معلومة واضحة، لم تعد موجودة. أصبحت أسوء من الصومال، دولة فاشلة محطمة بكل المقاييس، أتفق الجميع على تدميرها. وفي اليمن حيث دخل الحوثيون العاصمة صنعاء يوم 19 سبتمبر الماضي وهم يحلمون ببناء يمن غير الذي نعرفه وإذا تعارض معه، ينشؤون ببساطة بدله يمنهم الخاص بهم، فنحن في عصر تفريخ الوطن القزم!

   لا شك أن أي ثورة (سلمية كانت أم مسلحة) لديها هذه المطالب التي نذكرها على سبيل المثال لا الحصر:

. التحرر من الاستعباد والاستبداد والاستغلال والاستعمار.

.  إقامة حكم عادل غير طائفي أو عنصري جهوي.

.  فرض العدالة الاجتماعية

.  رفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

.  فرض القيم العامة في المجتمع.

هذه على العموم مطالب أي ثورة مهما كانت أيديولوجيتها أو الطريقة التي تتبعها، لهذا وجب علينا ربط هذه المطالب بما حدث بداية في تونس ثم مصر وليبيا واليمن وأخيرا وليس آخرا سوريا ونستخلص بعدها النتائج.

***

   في تونس، فقد كان المجتمع في البداية متقبلا لحكم من تأتي به الصناديق، لكن الخطأ جاء من ناحية الإخوان، حيث تصرف رئيس حركة النهضة بنفس منطق زين العابدين. فقد عرف حكم بن علي بارتباطه الوطيد بعائلة زوجته ليلى طرابلسي، وقد عرف حكم الإخوان القصير بفضيحة كان بطلها وزير الخارجية صهر الغنوشي، مما كلب الرأي العام ضد هذا الأخير وضد حركته، التي اضطرت لترك الحكم لحكومة تكنوقراط. لا نعتقد أن المجتمع التونسي سيقبل في المستقبل حكومة يقودها الإخوان. لقد احترقت ورقتهم في تونس كما في مصر وفي كل مكان، لأنهم فشلوا في معالجة المشاكل الاقتصادية الاجتماعية الحادة والبطالة المرتفعة بين الشباب.

***

   في مصر حاول البعض تصوير الصراع هناك على أنه يدور بين الاسلام وبين الكفر، وهذا الذي طرح في اعلام المواجهة وخاصة بعد المجازر التي ارتكبت في أوت 2013 في ميداني رابعة العدوية والنهضة، عندما فضت قوات الأمن المصري بطريقة دموية وحشية الاعتصامات المرابطة هناك وألتي كانت تطالب بعودة الشرعية. فرغم تلك الجرائم التي قتل فيها الآلاف من الأبرياء المسالمين، لا نعتقد أن الصراع في مصر بين أهل الملة وأهل الكفر، إنما دار ويدور بين جهتين:

   بين جهة تمرست على الخداع والأكل في كل الموائد وبدون مبادئ ترى نفسها أنها أحق بالحكم والسلطة، حتى وهي تمثل الأقلية بين الشعب، وبين جهة كانت ولا تزال تحت الصدمة. صدمة الوصول الى الحكم. وقد شاهدنا ذلك في مواقع كثيرة. تردد. أوامر. تراجع. جد وهزل. ونحن نعلم أن السلطة لا تتقبل الهزل وأن الحاكم إذا أصدر أمرا فلا بد ان ينفذ. حتى تبقى للدولة هيبتها. أما المد والجزر وجس النبض وإصدار التعليمات وسحبها هذا يليق بالمعارضة لا بالحكم.

الإخوان في مصر فشلوا بطريقة مأسوية، وهذا يعود لعدة أسباب أهمها:

.  أن الإخوان راهنوا منذ البدء على الكل حكم او لا حكم. رفعوا شعارة أخونة الدولة. وتصرفوا بمبدأ الربح والخسارة. ولم يبحثوا عن الحل الوسط والوسطية. فجروا البلاد الى الفوضى وشماتة الأعداء.

.  الرئيس محمد مرسي من خلال القرارات التي كان يصدرها. كنا نعرف انه ليس هو من كان يحكم. انما نائب مرشد الاخوان. كان سجين الجماعة وهو الذي كما نعرف كان الخيار الثاني بعد تعذر ترشح خيرت الشاطر الحاكم الفعلي بماله وسلطته على الجماعة.

.  بدأت الاسطورة والخرافة ترتبط بشخص الحاكم الدكتور مرسي وهناك مقاطع فيديو تروج لمثل هذه الاساطير على طريقة "آيات الرحمان في بلاد الافغان" التي كانت المخابرات الامريكية بتعاون دول خليجية تروج لها في الثمانينات لاصطياد شباب العرب للذهاب الى افغانستان لمحاربة الروس تحت راية المخابرات الامريكية.

.  عدم تجربة الحكم ظهرت جليا كذلك في سياسة رد الفعل والوقوع في فخ الانفعال ضد القضاة والاعلام والشرطة والرأي العام والعسكر.

.  الدستور الذي تركت فيه الوهابية بصماتها لم يصوت عليه بنعم أكثر من 20 بالمائة من الشعب المصري. فمثل هكذا دستور محكوم عليه بالفشل والتعطيل كباقي دساتير الحكومات العربية الأخرى.

.  الاعتماد على ما يعرف باسم السلفية والوهابية هو كمن يعتمد على الاورام في علاج الامراض. لا يؤتمنون ولا يثبتون على أمر والتحالف معهم اشبه بالتحالف مع الفوضى. نحن كنا نعلم أنه إذا أرادت حكومة ما بعد الثورة النجاح عليها قطع الوصال مع الوهابية والاعتماد بدلها على القوى الليبرالية ومحاولة كسبها بدل تركها للفلول.

.  أن الإخوان فوتوا فرصة حل تنظيمهم عندما كانوا في الحكم، فالمتطلب هو حل التنظيم والقبول بدور مدني في المعارضة والحكم. وان كانت لهم اعمال خيرية فهم يستطيعون القيام بها مع عموم أهل الخير المصريين. اما وضع حزب في الواجهة ينفذ قرارات الجماعة. فهذا لن ينجح وسيبقي الصراع يراوح مكانه. لقد ضيعوا فرصة حل الجماعة بعد الوصول الى الحكم. فبقي مع ذلك الاحساس ان الرئيس تابع للمرشد ويؤتمر بأمره. باعتبار ان المرشد في سلم هذا التنظيم هو الأعلى. طبعا دون ان ننسى أن الانتماء للتنظيمات (الدينية) هو كما نعرف لا تتم إلا بعد مبايعة الشيخ أو المرشد.

فهم وصلوا الى أعلى سلطة في الدولة (الرئاسة) ولكن رغم ذلك احتفظوا بمنصب المرشد، فهم بلا شك في هذه الحالة يرون أن الإرشادية أعلى من الرئاسة. طبعا من حق المصريين الآخرين التخوف ورفض هذا المنطق.

***

   في ليبيا الوضع أسوء منه عليه في تونس ومصر، فالمجتمع الليبي أكثر قبلية وتخلف، والكل يعرف سياسة القذافي التي محقت الإنسان الليبي وجعلته سلبي لدرجة كبيرة. مجتمع بدون مؤسسات حقيقية. كانت فيه اللجان الشعبية هي كل شيء. الجيش للاستعراض فقط. وقوات حراسة الأسرة الحاكمة في عهد القذافي، كانت أقوى من الجيش الليبي كله، لهذا لم يكن الخطأ متمثل فقط في الاعتماد على الأجنبي في تغيير النظام، بل كذلك في سوء تقدير الأوضاع الاجتماعية القبلية التي ترفض قيم الديمقراطية والجمهورية وسلطة النواب المنتخبين وجيش جمهوري لا يعرف الجهوية أو العرقية القبلية. وليبيا الآن مهددة في وجودها وتحولها إلى إمارات صغيرة يكون شيوخ القبائل الحاكمين فيها بأمرهم وجهلهم وتقاليدهم البالية.

***

   في اليمن يمكن القول إنه لم يتغير الوضع منذ وجد هذا البلد الذي تحكمه القبائل، لا يعترفون لا بالقانون ولا بالتطور. سلطة "القات" فيه أقوى من أي سلطة أخرى.

حتى عندما تنحى الدكتاتور علي عبد الله صالح، لم يتغير شيء. عائلته بقيت نافذة في الحكم. وعندما أقترب منه خليفته، تحالف صالح مع الحوثيين، الذين دخلوا صنعاء يوم 19 مارس 2014، وهم الآن الآمر والناهي في اليمن السعيد.

الذي ربما سيتغير مع هذا الوضع الجديد هو نفوذ إيران في اليمن كنفوذها في سوريا ولبنان والعراق. سيستعمل اليمن في المستقبل لتصفية حسابات إيران مع خصومها، وسيتوسع الهلال الشيعي الذي يستعمل كل الوسائل من أجل النفوذ والسيادة.

الشعب اليمني على العموم لا نعتقد أن وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي سيعرف التحسن، لأن البنية الاقتصادية الاجتماعية هي هناك خارج نظام الدولة.

***

   في سوريا كان الصراع منذ البدء، صراعا طائفيا بالنيابة، نيابة عن إيران والسعودية كما هو الحال في لبنان. وإذا كانت إيران بوقوفها مع نظام بشار تفعل ذلك عن قناعة وبسخاء ـ ماديا وبشريا ـ فإن الموقف السعودي من الصراع هناك مرتبط بما تقرره أمريكا وبريطانيا. لهذا تراجعت السعودية عن دعم ثوار الجيش الحر عندما طلبت منها أمريكا التقارب مع إيران.

وعلى العموم مآسي المسلمين والعرب تأتي دائما من الخليج. فالبلدان الغنية هناك والتي تصرف اموالها وتقول إنها حرة فيها ولا تساعد الشعوب العربية الفقيرة، لا يحق لها التدخل في شؤون البلدان العربية الاخرى. فالذي يكدس أمواله في بنوك الغرب ولا يرى لزاما عليه مساعدة شعوب الصومال واليمن أو مصر وكل الشعوب المسلمة الفقيرة، لا يحق له أن يعطي الدروس لهذه الشعوب الفقيرة، كما أن هذه الأخيرة من المفترض ألا تصغى لما يأتي من هناك من فتن أو تحريض.

 ماذا قدمت السعودية من مداخيلها البترولية التي تقدر سنويا بـ 400 مليار دولار مداخيل البترول وحدها ـ ناهيك عن مداخيل الحج ـ للشعوب العربية؟

ماذا قدمت الكويت التي تبلغ احتياطاتها المالية بـ 560 مليار دولار؟

ماذا قدمت البلدان العربية الغنية للبلدان الفقيرة؟ لا نتكلم عن الفتات الذي يرمى به من مرة إلى أخرى لمصر، لتقنين الاضطهاد وتطويره. نحن نتكلم عن مساهمة هذه البلدان في الاستثمارات داخل البلدان العربية الفقيرة.

فأموالهم نعمة على الغرب يخلقون بها فرص العمل لشبابهم ويبنون بهم نواد رياضية وملاهي ومصانع ورفاهية، لكنها نقمة على العربي، فإما حصل عليها في شكل قروض وهيبات لدعم حكم العسكر كما في الحالة المصرية ـ أو في شكل قنابل وسيوف لتأجيج الاقتتال الداخلي وقطع رؤوس الأبرياء، كما تظهر الحالة السورية.

فالمعضلة السورية تكمن اذن في معارضيها من الدرجة العاشرة الذين مشوا وراء وعود آل سعود وساداتهم الأنجلو سكسون. لقد ورطوا شعب طيب ومبدع فضاع في بلدان الناس وفي الشتات، في نكبة ثانية تصيب العرب بعد نكبة 1948.

سوريا كانت رائدة الدول العربية في الطب والزراعة والصناعة والنسيج والسنيما والمواد الغذائية والملابس. البلد العربي الوحيد الذي قارب اقتصاده الاكتفاء الذاتي، هذا البلد الطيب دمره نظامه المتعجرف الإرهابي والمعارضة التي جرت وراء وعود كاذبة.

فأرتفع معدل التضخم فيه الى أكثر من 175% واقتصادها تحول الى اقتصاد حرب، بعدما كان اقتصادا واعدا نوعيا مفيدا للشعب السوري وللشعوب العربية الأخرى، لا سيما الشعوب المستهلكة في الخليج. وباتت الأولوية في هذا الاقتصاد الحربي تأمين المواد الأساسية كالوقود والغذاء. أكثر من نصف شعبها مشتت في بلدان الناس يعيشون الإهانات والجوع والتشرد، ومستقبل غامض ومجهول لأبنائه، وحاضره كله حرب تحصد مئات الأرواح من شبابه كل يوم.

فالفشل الذي ينتظر السوريين هو أن تتحول بلدهم الى صومال أخرى ونحن لا نعني فقط انها سوق تقسم إلى دويلات؛ فهذا أمر حسم منذ مدة. دويلة للعلوية وأخرى أو أكثر للسنة والباقي للأكراد الذين يتطلعون الى بناء كردستان الكبرى. نحن نقصد أنها تتحول الى صومال أخرى فيما يخص الجوع والأمراض الفتاكة وعدم التمدرس.

*****

لماذا فشلوا في مرحلة قياسية؟

 لقد طبع الفشل كل هذه الثورات وهذا ليس مرده إلى المؤامرات وما يعرف بالثورات المضادة، بل نستطيع حصر الفشل في ثلاث نقاط:

. انهم لم يكونوا ينتظرون الوصول الى الحكم بهذه السرعة، فهم لا يتوفرون على ثقافة الدولة في التسيير، فقد كانوا غارقين في الحلقات والجلسات المغلقة، فجأة سقطت الانظمة بفضل تضحيات الشباب ـ الذي انسدت كل الطرق في وجهه ـ فوجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها أمام مشاكل اجتماعية واقتصادية حادة. وهم بدون برامج.

. السجون والمنافي كسرت كبريائهم، فلم يعد يقوون على التفكير الايجابي والعمل على فرض البديل لما كان موجود. فهم سيروا ويسيرون الازمة لا أكثر، تحولوا الى قوة فاشلة بسيكولوجيا. محطمة.

. قضوا الأيام والسنون ينظرون للحاكم وبطانته وهو يبذر في مال الشعب ويستعبد في البشر. فاعتقدوا ان الوصول الى السلطة ان لم يرتبط بالتمتع على طريقة الحاكم المخلوع، لا يعني في عرفهم شيء، لهذا تصرف ولي عهد تونس ووزير خارجيتها ذلك التصرف، عندما اختار المبيت في فندق خمس نجوم على أن يتنقل بضع كيلومترات اضافية الى بيته. إن الشعوب أوصلت الوضعاء والسفلة وذل الوجوه الى الحكم. فعمت الفوضى وضاع المسعى.

إن الشعوب في هذه الحالة ينطبق عليها المثل الجزائري "صام الدهر وفطر على بصلة!"

*****

نهايات مأسوية لثورات شعبية:

   لقد جاءت هذه الثورات بكل أسف حاملة معها الضغينة والثأر، لم تفكر في مستقبل الأجيال وكيف تخدمها، بل في كيف يحاسب النظام السابق وكيف يعاقب من عاقبهم، وهذا الذي قضى على هذه الثورات، رغم أنها كانت في البداية ثورات أكثر من عادلة، لأن الحكام الذين كانوا يحكمون في تونس ومصر وليبيا واليمن طغوا في الأرض واحتقروا المواطن وأحاطوا أنفسهم بحاشية سيطرت على كل شيء.

كما سطرت في برامجها الاغتناء الفاحش على حساب الشعب وأن تبقى البلد متأخرة تعيش القرون البالية.

لكن للذي عاين على سبيل المثال صور مقتل القذافي وابنه وانصاره سيسحب احترامه وتقديره لهذه الثورات التي جاءت للثأر واتباع أسلوب الهمجية والجاهلية.

 ففي هذه الثورات لا إسعاف للأسير ولا معاملة حسنة للسجين. وقد بينت تلك الصور أن الثورة هناك على الأقل لا تختلق بأخلاق الإسلام، أخلاق الرسول محمد ـ ص ـ وأخلاق الصحابة الكرام والتابعين. ثورة طردت طاغية وجاءت بطغاة صغار. ثورة قضت على الظلم وجيئت بالظلمات.

كيف يبارك الله في ثورة لا ترحم الأسير وتنكل بالجثث؟

رأينا صورة صدام الظالم كيف يعامل من طرف عصابات الشيعة فرفضنا ذلك السلوك وقلنا هذه ليست أخلاقنا. قال لهم صدام هي هي المرجلة (هل هذه هي الرجولة؟) وقال لهم القذافي حرام عليكم وأسترحمهم وهو ضعيف ولم يرحموه وكانوا أقوياء. وبهذا فتحوا باب الثأر وسيأتي اليوم الذين يكونون فيه ضعفاء والنتيجة أن هذه ليست ثورات لدفع الظلم بل هي لترسيخه وتعميمه.

كل إنسان له الحق في الدفاع عن نفسه أمام عدالة نزيهة وليس كل من يحمل "الكلاشينكوف" يصبح قاضيا يحكم على مصائر الناس وحياتهم. إن وجود جماعات الظلام لم يأت من فراغ، فالسائد في مجتمعاتنا بكل أسف وبغض النظر عمن يحكم هو القوي يأكل الضعيف. الذي نراه الآن في سوريا وفي العراق وقبل ذلك في مناطق عديدة، من مناظر مقززة ووحشية وسادية، لم يكن لها البقاء، لو أننا نتمتع بثقافة تحكيم العقل وتغليب المصلحة العامة للشعوب.

*****

الخلاصة:

  لقد عبثت الجماعات الفاشلة (*) بأحلام الشباب وضيعت مستقبلهم. 

لقد ضحكوا على أنفسهم وسلموا بهذه التصرفات الهمجية بلدانهم للأجنبي. لقد كتبوا بأيديهم هذه النهاية المأسوية لثورات بدأت طموحة وشعبية.

ولقد وصلنا الآن الى الوضعية التي لا يستطيع أي أحد أن يزاود فيها على الآخر لا في الوطنية ولا في الدين. فالفشل القاسم المشترك بين الحكومات السابقة واللاحقة. والشعوب بين مطرقة المشاكل الاجتماعية وسندان الجماعات التي ترفض الانتقال الى العمل الفعلي الذي يخدم الشعوب. ترفض ذلك حتى لا ينكشف عجزها.

لهذا كانت هذه الحالات المشفوعة بالحروب الهامشية كعلاج للعجز في حل مشاكل الشعوب الاقتصادية والاجتماعية.

خلق العدو. بدل التقارب مع الخصم وحل المشاكل بالحسنى. هذه مواصفات سياسة حكومات ما بعد الثورة. وسياسات حكومات ما قبل الثورة. مات الملك عاش الملك.

*****

   يحزننا القول هنا أنه لم يبق من هذه الثورات سوى الاسم. الربيع مرتبط بالأزهار والاخضرار. الربيع مرتبط بالحياة. بالانشراح. بالحب. بالمناظر الخلابة والهواء النقي. لم يبق لهذه الشعوب ربيع ولم يبق لهم أحلام. من الصعب جدا بداية التفكير من الصفر. بعد عشرات السنين من الانتظار. راح الربيع وجاء الخريف. وتساقطت الأوراق والاقنعة. وظهر باعة الأوهام الذين قضوا ما يقارب الثمانية عقود في معارضة كل شيء حتى تحولت المعارضة الى الأصل وغيرها الشذوذ. أي حكومة لا تضع في أولوياتها حل مشاكل الناس اليومية، هي حكومة فاشلة. فاشلة بكل المقاييس.

صحيح أن اقتصاديات مصر وتونس واليمن هي اقتصادات هشة، تعتمد على السياحة وعديمة الموارد، لهذا فمن الناحية الاخلاقية من الصعب تعويضها باقتصادات منتجة في غياب الارادة الصلبة لتحقيق ذلك. لكن سياسة الهروب الى الأمام لا تبني ولا تعمر. لقد عرت هذه الثورات معارضة الاستعراض والخطب الرنانة. الواقع غير العالم الافتراضي، وفرق كبير بين أن تتحمل مسؤولية لتمارس سياسة عقلانية تخدم بها الرعية، وبين استحضار أمجاد الماضي الجميل زمن الخلافة في القرن الأول الهجري.

والتغيير إذا تم بأياد خارجية سيدمر البلد، كما في العراق مرورا بأفغانستان والآن ليبيا وسوريا. لماذا؟ لأن السنن الكونية تقول:

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

فاذا رأيت شعبا ما يعيش الحالة التي يكون عليها، فاعلم أنه يستحقها.

   ربما يأتي أحدهم ويقول لماذا عليكم بهذا؟ لماذا لم تقبلوا بحكم القذافي وبن علي ومبارك وبشار وصالح؟ ألم يكن ذلك أحسن؟

   نقول لا! لم يكن أحسن وإن كان الوضع الآن أسوء! والعنف يبدأ دائما من جهة الأنظمة. وهذا ما تحاول وسائل الإعلام المدافعة عن حكم بشار الأسد الذهاب إليه وتقول كان الوضع أحسن فدمرته المعارضة. لكن هذه المعارضة تظاهرت في البدء بسلمية ورفعت مطالب بسيطة فواجهتها الأنظمة في ليبيا ومصر واليمن وسوريا بالرصاص.

 رغم ذلك نقدم نصيحة لكل معارض غيور على وطنه يحب شعبه:

لا تقبل تدخل الأجنبي في بلدك مهما كان، وقبل أن تفكر في التغيير أو الثورة أو الانتفاضة.. ضع دائما في حسابك هذا المبدأ:

"التغيير هو لخدمة الناس لا لمعاقبتهم"!

علي فودي | مجلة الملاحظ | مارس 2015

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) نحن نطلق على الجماعات التي استحوذت على الثورات وكانت سببا في نهايتها بالجماعات الفاشلة، ليس كل رديء نربطه بالإسلام، والإسلام من الفشل بريء. جماعات تتستر وراء الدين، لكن تصرفاتها تصرفات الجاهلية.

AlgeriaVoice

Author: AlgeriaVoice

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *