نموت ليحي من؟

. علي فودي | صوت الجزائر | 05 مارس 2015  

    الذي على يسار الصورة تعرفونه بكل تأكيد.. إنه المحظوظ في زمن "أرفع رأسك يا با".. إنه روجي ليفي أو روجي حنين من مواليد 1926 فرنسي الجنسية وجزائري المولد الذي توفي ودفن مؤخرا في الجزائر بحضور رسمي لا مثيل له..

   الذي على يمين الصورة لا تعرفونه بكل تأكيد! إنه الشيخ الشاوش أو بن مهني السعدي من دوار أولاد منعة بلدية سرج الغول ولاية سطيف. من مواليد 1926 كذلك، شارك بقوة في أحداث 08 ماي 1945 وفي زمن الثورة التحريرية أبتلي بلاء عظيما.. ففي عام 1958 حرق المستعمر الفرنسي بيته وفجره وأخذ ماله وماشيته وشرد أهله وأخذه على الزعرورة (وما أدراك ما الزعرورة) ومكث هناك في السجن الى غاية عام 1962.

   كان بيته ملجأ للثوار (كازمة) وعندما أعتقل المستعمر اثنين من سكان القرية كانا فارين، كشفا تحت التعذيب عن هذا الملجأ، وفي طريقه لقتلهما مر الجيش الفرنسي على بيت الشيخ الشاوش فحرقه وفجره وواصل السير الى شعبة غير بعيدة من ذلك وهناك قتل الإثنين بتفجير قنبلة فيهما.!

   أوكد هنا أني لست ضد أن يدفن أي شخص سواء أكان فرنسيا أو غيره في الأرض التي ولد فيها، وإذا كانت هذه الأرض هي الجزائر فليدفن هناك. فنحن أكثر إنسانية من كل شعوب الأرض. ولا دخل للدين أو المواقف السياسية في القضية.

   الذي أعترض عليه أن تصبح عملية الدفن هذه مناسبة ليخرج رئيس بلد ويتحرك ويبعث من جديد، بمجرد أن يسمع عن الأقدام السوداء والفرنسيين، فيصدر بيانات التطنيب والتطبيل لخصال المتوفى ودروره في ترسيخ أواصر الصداقة بين الشعبين الفرنسي والجزائري، حتى وأن كان المتوفى لم يخف مقته لجزائر الاستقلال ورفضه في حياته أن يكون له بها أي ارتباط. في قضية روجي ليفي وصل الأمر أن الرئيس الذي لم يحرك ساكنا تجاه قضية جثث مئات الجزائريين (الحراقة) التي تعفنت قبل سنوات في اسبانيا ولم تجد من يدفنها أو يعيدها الى الجزائر؛ يخصص طائرته الخاصة لنقل جثمان هذا الفرنسي واصدار بيان كله مدح، بعد أن كرمه في عام 2002 بوسام الأثير، وإن كنا لا نعرف لماذا؟

   الشيخ الشاوش الذي اعتبره أنا شخصيا من الشهداء الأحياء لأنه لم يبدل ولم يغير ولم ينظر للجهاد في سبيل ﷲ على أنه مصدر للرزق والامتيازات والوقوف أمام ابواب الادارات بالشهود (وهو يملك منهم المئات) لتسجيل جهاده الذي لا تشوبه شائبة، عندما زرته في نوفمبر الماضي وجدته على فراش المرض لم يكن يتوفر حتى على المبلغ الذي يذهب به للطبيب أو شراء الدواء!

   كأن الجزائر حققت العدالة الاجتماعية وعدلت بين الناس ولم يعد فيها جائع او فقير أو مظلوم فراح رئيسها المفدى يعرض خدماته على أجانب لم تربطهم بالجزائر رابطة، سوى أنهم ولدوا هناك لمستعمرين جاءوا للتنكيل بالأجداد والآباء وإذلالهم. نعم ما هذا التملق المفضوح؟ الرئيس مسؤول أمام شعبه، أجيرا عندهم يسهر على خدماتهم، ولا يتحرك فقط عندما يتعلق الأمر بأجنبي حاقد. كأننا نحن الجزائريون هم من أحتل فرنسا ونحن من جلبنا الأقدام السوداء وقتلنا عشرات الآلاف من الأبرياء في أحداث 08 ماي 1945 ومئات الآلاف في ثورة نوفمبر 1954 وقبلها ومنذ 1830 ونحن نقتل في الفرنسيين في أرضهم ونخمد ثوراتهم المتواصلة وقمنا بتجارب نووية في صحرائهم ونريد الآن استغلال غازهم الصخري لأن رئيسهم الذي لا يعي أي اعتبار لشعبه أعطاهم الموافقة على ذلك وهو يعالج في مستشفياتنا المتقدمة عكس مستشفياتهم التي دمرها نظامهم العنصري المتخلف، وها هو الشعب الفرنسي ينتفض الآن ضد هذا القرار المستعجل والنظام الفرنسي يحاول صباحا ومساء اقناع شعبه أنه لا ضرر ولا ضرار في هذا الاستغلال، وذلك حتى لا يغضب النظام الجزائري ويعاقب الدولة الفرنسية لأنها لم تحفظ العهود والاتفاقات الملزمة.

   أي مسخرة أكثر من هذه؟ هذا النظام يطلب العبودية للشعب الجزائري بدل المطالبة بالحقوق والتعويض جراء الجرائم الفرنسية على أرض الجزائر. يمارس الطبقية داخل المجتمع بدل فرض العدل. وضع أناس في مرتبة الكولون وأعطاهم الامتيازات والباقي لا يعرف كيف يعيش وكيف يموت.

   لم يطلب مني الشيخ الشاوش أو أي من اقاربه الكتابة عنه وعن وضعه، ولم نسمع عنه يوما يتكلم عن الثورة ودوره فيها، إنما الناس التي عاشت الحقبة هي من تتكلم عن تضحيات هذا الشيخ المحتسب. كل الذي طلبته منه هو أخذ صورة له فوافق على ذلك. شخصيا كجزائري ولد في عهد الاستقلال اكتب عن هذا الموضوع كاعتراف بالجميل، جميل الشهداء والمجاهدين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا وبقوا محافظين على عهد الثورة. ففي النهاية فكل بني آدم ذائق الموت.. سواء أتعذب الشخص أم تملق لأكل السحت، سواء أبقي وفيا للعهد أم أصبح من شهود الزور بعد الاستقلال (الذين لم يخجلوا من أنفسهم وتبوؤوا مسؤوليات يحكمون من خلالها عن أعمال المجاهدين الحقيقين، وهم لم يشاركوا في الثورة ولو بشق تمرة، وربما كانوا في صف العدو).. سواء أكان الشخص مع هذا الطرف أو مع ذاك، الموت هي نهاية المطاف في هذه الدنيا.. نحن نذكر خصال الثورة وخصال الجيل الذي قام بها في سبيل ﷲ ونكتب هنا ونحن نرى الأقدام السوداء تعود من الباب بعدما خرجت من النافذة، تعود بقوة وبدعم من أعلى جهة في النظام بني على الكذب والتملق وتوزيع شهادات الجهاد على أناس لا علاقة لهم بالثورة وقد ورثوها لأولادهم.. ومن رفض الوقوف في صفهم والتذلل على مكاتبهم، يموت جوعا وحرمانا.

   عندما كنا صغارا وكنا خارج أوقات الدراسة وفي العطل نذهب لنرتعي، كنا نرى عجوزا كانت تقف غير بعيدة عنا تحرس ماشيتها (ثلاثة الى أربع عنزات) بلباس بالية وحذاء مطاطي (بلاستيك) وهو لباسها في الصيف كما في الشتاء، في الحر كما في القر، الحقيقة وبما أن الحرمان كان يجمعنا لم نكن نسأل عن حالها ومن هي، كل الذي نعرفه أنها كانت تقطن قرية مجاورة لقريتنا.. حتى جاء عام 2012 فسمعت عنها مجددا وعرفت بقصتها.. فهي زوجة شهيد سقط عام 1956 (في العام الذي ولد فيه وزير المجاهدين الحالي!) أطلق عليه جيش فرنسا الكلاب المفترسة والمدربة فنهشت لحمه حيا، وكانت آخر كلماته التي صرخ بها "لا إله إلا ﷲ. تحيا الجزائر! لا إله إلا ﷲ. تحيا الجزائر! لا إله إلا ﷲ. تحيا الجزائر!" والجيش الفرنسي يتفرج على كلابه وهي تنهش في لحم هذا الشهيد، وكلاب أخرى (العملاء) تتابع بسادية تعذيب هذا الجزائري الحر حتى فقد روحه وسقط شهيدا.

   قيل لي عام 2012، أن هذه العجوز الكادحة كانت في بداية الاستقلال تستلم وابنها الوحيد مساعدة بسيطة، حتى وصل هواري بومدين الى الحكم فألغيت المساعدة دون تبرير، قلت لمن حدثني، ربما لأنها لم تكن من عائلة الباشوات والقياد وضباط فرنسا الذين احاطهم بومدين حوله ربما لإخفاء عقدة ما لا نعرفها، حتى أصبح المحظوظ في الاستعمار محظوظا في الاستقلال والمهمش في زمن الاستعمار أزداد وضعه سوءًا وتهميشا.

ومن هؤلاء المحظوظين ابن القائد أحمد، عبد المالك بن حبيلس الذي كان يترأس المجلس الدستوري عندما قدم الشاذلي بن جديد استقالته. فأباه القائد أحمد بن حبيلس من دعائم فرنسا وسندها في بلدية بني عزيز (أعرباون سابقا) وعمه السعيد سندها في الزعرورة (غير بعيد عن بني عزيز)، حيث كانت قاعدة جيش فرنسا في المنطقة (لاصاص) وحيث سجن الشيخ الشاوش وعذب.

   ففي حقيقة الأمر أن الوضع لم يتغير ومن كان بالأمس داعما لفرنسا وسندها ويحتقر الأهالي باسمها، أعطاه النظام بعد الاستقلال الامتيازات نفسها بل وزاد عليها. والذي كان ينتظر أن يطلع عليه الفجر في عهد الاستقلال بقي يتحسر ويتألم من شدة الحرمان والقهر.

   في نهاية هذه الالتفاتة البسيطة التي ذكرت فيها للتاريخ جهاد المجاهد الشاوش بن مهني السعدي، اشير الى أني لا أسعى من خلال ذلك دق أبواب أي كان، إنما كما قلت هي كتابة للتاريخ، تاريخ مفعوم بأمل لمستقبل أفضل، تاريخ بناه الأبطال الشهداء منهم والمجاهدون الصابرون المحتسبون. نحن لا نفهم في أسلوب التملق ودق أبواب التسول. نحن نذكر هذه الأحداث للتاريخ. تاريخ الجزائر الذي كتبه في الميدان بالدماء والعرق الأبطال الشجعان وحرفه الجبناء الكذبة في كتب لا تساوي ثمن الورق المطبوعة عليه.

*****

ملاحظة:

الشيخ الشاوش توفي في يناير 2019 عن عمر ناهز الـ 92 عام. عاش محروما من حقه في استقلال البلاد، عكس الخونة الذين زوروا التاريخ وبسطوا نفوذهم على ما يعرف بـ "الأسرة الثورية". فرحم الله الشيخ الشاوش وأسكنه فسيح الجنان. فالموت هي نهاية المطاف، وفي الآخرة يأخذ كل حقه لا ينقص منه شيء.

AlgeriaVoice

Author: AlgeriaVoice

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *