وكلاء استيراد السيارات ومال الشعب

كتب: علي فودي | صوت الجزائر | يوم الإثنين 06 جويلية 2020

     بداية نقدر الظروف العصيبة التي تمر بها بلادنا على غرار باقي بلدان العالم جراء انتشار وباء فيروس كورونا.. نقدر هذا ونرى أنه من الأولويات القصوى للحكومة وكافة الجزائريين هي التغلب على هذا الوباء الذي يهدد حياة المواطنين ويؤدي الى إلحاق الأضرار الجسيمة بالاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية للمواطنين.

     في الوقت ذاته شاهدنا أمما لم تشل الجائحة حركتها، بل رأت فيه فرصة لإعادة التقييم السياسي والاقتصادي لعمل الحكومة وتجنب النقائص في المستقبل، وهذه هي الأرضية التي عليها نتحرك وننتقد الأمور التي تسير خطأ..

كان وزير الصناعة قد أعلن يوم 13 جوان الماضي، أن الحكومة سمحت باستيراد السيارات الجديدة نهاية السنة الحالية، وأن الإطار لذلك قد حدد في القانون المالية التكميلي الذي صدر في الجريدة الرسمية العدد 33 ليوم 04 جوان 2020.    

شخصيا استغربت كيف أن الجزائر كدولة لم تتخذ زمام المبادرة وخاصة في زمن الطفرة المالية والدخل المرتفع، لتفاوض المصانع كدولة وليس كمتعاملين خواص فاسدين لبناء صناعة حقيقية تعود بالفائدة على الدولة والشعب..

     هل لو أن الدولة هي التي كانت الشريك المباشر للمتعامل والمصنع الأجنبي، هل كانت تتكبد كل تلك الخسائر التي تسبب فيها متعاملون المافيا الإيطالية أرحم منهم؟

     فلماذا لا تتحرك الدولة وتحل هذه المعضلة.. المال مالها وهي تستطيع بهذه السياسة الجريئة ضرب عصفورين بحجر واحد: تساعد المواطنين وتقطع حبل العصب؟ كل الخيوط في يد الحكومة لتتصرف بحكمة ومصلحة شعبية.

     الجزائر بسوقها الكبير تستطيع فرض شروطها على أي مصنع للسيارات في العالم. وهي تتوفر على خيارين كبيرين بإمكانها الاستفادة منهما.. ومن الحكمة استغلالهما ولا تسمح بأن يسقطا من أيديها، بشرط أن تكون الحكومة واعية لأهمية العربات السياحية والنفعية في تطور البلد والدفع بعجلة الاقتصاد.. بكل أسف نستطيع القول هنا أن هذا الوعي غائبا الآن ووزير الصناعة يعتبر أن السيارة من الكماليات!

     الخيار الأول وهو الأحسن للجزائر على المدى المتوسط والبعيد: التفاوض مع مصانع غربية لبناء فروع لها لصناعة السيارات في الجزائر (صناعة لا تركيب)، والظروف الحالية مواتية أكثر من أي وقت مضى لتحقيق ذلك.

     الخيار الثاني هو الأحسن على المدى القصير، ويتعلق الأمر بتفاوض الدولة الجزائرية مع أصحاب هذه المصانع لشراء سيارات سياحية ونفعية تباع للمواطن بأسعار معقولة وبهامش ربح قليل؛ من جهة فأن المواطن ذو الدخل البسيط والمتوسط يستطيع بهذا الإجراء اقتناء سيارة بمواصفات عالمية وهذا من حقه، ومن جهة ثانية بهذا العمل الاقتصادي الحكيم ستكفر الدولة ولو قليلا عن الأضرار التي الحقتها بالمواطنين والشعب جراء سياسة "نفخ العجلات" وما تبعها من نهب واختلاس كبيرين.. لا ننسى أن الدولة منذ عقود طويلة وهي تجر في حمار ميت كلما تعلق الأمر بالصناعة وصناعة السيارات تحديدا.

     السوق العالمية في هذه المرحلة وفي الأعوام الأربع القادمة مناسب لمن يريد شراء الآلات الثقيلة الثابتة والمتنقلة.. سوق السيارات يعرف الشلل التام وكساد رهيب وهذا سببه المخاوف التي نجمت عن الجائحة التي مست كل العالم.. مصانع السيارات مضطرة للاتخاذ موقف التخلص من المخزون ولو بسعر التكلفة.. بمعنى أن سوق السيارات سيعرف انخفاض كبير قد يصل في بعض الحالات الى النصف.. المفترض أن التاجر الناجح يستغل الظروف لعقد الصفقات الناجحة بالأسعار المعقولة المنخفضة.

     إن من أتخذ قرار السماح باقتناء السيارات نهاية السنة، لم يضع كل ما ذكر أعلاه في الحسبان.. نحن نعتقد أن الصيف وبداية الخريف هو الوقت المناسب لعقد مثل هذه الصفقات.. لأنها المرحلة الحرجة لأغلب شركات صناعة السيارات.. فحتى تتحول الى الإنتاج بالطاقة الكاملة كما كان الوضع قبل الجائحة، يفرض عليها التخلص من مخزونها الوفير والذي يملأ ساحات المصانع.. وصناعة السيارات تضررت أكثر من غيرها من الوضع الحالي.. لهذا اضطرت حكومات غربية لدعمها ماليا.. في فرنسا دعمت الحكومة هناك صناعة السيارات بـ 8 مليارات أورو، لتجاوز الضائقة والوضع الصعب وحتى يحافظ العمال على مناصب شغلهم.

     إنها الفرصة لاقتناء سيارات سياحية ونفعية بأسعار معقولة، وفرصة لفرض على المصنع نقلها الى الجزائر وضبط خدمات ما بعد البيع وتكوين الجزائريين في ذلك.

     أعتقد أن الدولة التي هي على الاستعداد لوضع جزء من رصيدها من العملة الصعبة في متناول وكلاء بنو مجدهم على الغش والتهرب الجبائي والاعتماد على السياسة الفاسدة في العقود الثلاثة الماضية (*).. عليها أن تفكر كيف تصرف تلك الأموال في أحسن الظروف وكيف يستفيد المواطن من تلك الأموال بقدر الإمكان.

     ثم أن الذي يدفع السعر النهائي هو المستهلك.. بالشروط والطريقة التي تريدها الحكومة لشراء السيارات، من غير الممكن أن تكون السيارة من نصيب الأغلبية الساحقة من المواطنين. فالسيارة التي يجلبها المورد الوكيل سيشمل سعرها النهائي التكاليف التالية:

. سعر السيارة في البلد المنتج؛

. التحميل والنقل؛

. التكاليف الجمركية المرتفعة والتعجيزية؛

. هامش الربح للوكلاء السماسرة.

. دون أن ننسى الامتياز الذي يحصل عليه السماسرة الوكلاء وهو الحصول على العملة الصعبة بسعر دينار مخفض.. والكل يعلم أن سعر العملة الصعبة مقابل للدينار الذي يضبطها على حقيقتها هي السوق السوداء.. ففي ظل دينار غير معوم يكون خاضعا للعرض والطلب ولتقلبات السوق.. استراد السيارات بالدرجة الأساس هي خدمة مقدمة لهذه الفئة الفاسدة قبل كل شيء.

     نحن نفتقد الديناميكية في التسيير.. ما معنى تحديد آخر العام كأول توقيت لبداية استيراد السيارات؟ وسواء اتبعت الحكومة مقترحي في قيام الدولة باستيراد مئات الآلاف من السيارات المختلفة، أو أنها رأت أن الحقوق المصطنعة للوكلاء الموردين أهم من ذلك.. سواء اختارت العقلانية والفائدة الوطنية أم انحازت للمجموعات الضاغطة.. ففي نهاية الأمر أن السيارة المستوردة هي لمواطن دخله ضعيف وأموره الاجتماعية معقدة ومن حقه أن يكون له نصيب منها إذا الحكومة عرفت كيف تتصرف. أين هي البراغماتية والليبرالية في تحديد أولويات المصالح؟

     لا أعرف لماذا نملك الإحساس أن الدولة يهمها بالدرجة الأساس تأمين عمل السماسرة والوكلاء، ولا يهمها وضعية الشعب خاصة الطبقة الهشة منه والطبقة المتوسطة. من يستطيع شراء سيارة يقتنيها وكيل بلا ضمير ويضاف لها ضريبة جمركية لا تقل في كل الأحول عن 50 مليون سنتيم؟

     فالدولة إذا هي غير قادرة او لا تريد أن تكون قطب صناعي للسيارات وهي تتوفر على كل الشروط لذلك.. على الأقل تتحول الى تاجر ناجح تقتني السيارات للمواطنين الذين لا يزالون يركبون سيارات وعربات مكانها المتحف.. يخاف المرء أن تدهسه حتى وهو يمشي على الرصيف!

     أي منفعة للدولة في إعادة أمجاد العصابة؟ أو بقاياها أو ربما دعم من يتمنى عودتها؟ الدولة والحكومة التي تمثلها مهمتها خدمة المواطن لا غير.. السيارة التي تنوي هذه الحكومة السماح باستيرادها هي ليست موجهة لهذا المواطن المطحون، إنما لمن طحنه وداس على كرامته ومجده ومستقبله.

هوامش:

(*) الوكلاء، سواء الذين هم في السجن أو الذين سقطوا من الغربال المخروم، سيعاملون المواطنين كالأيتام على مائدة اللئام. نعرف كيف صنعوا الأموال التي يتبجحون بها الآن.. في آلاف المرات أخذوا الأموال من المواطنين على أساس يجلبون لهم سيارات من الخارج.. لكنهم أخذوا تلك الأموال لأشهر واستثمروها في شراء العقارات وبيعها وفي مشاريع أخرى، ثم رجعوا الى المواطنين وقالوا لهم هذه أموالكم لا نستطيع استيراد العربات المطلوبة!

AlgeriaVoice

Author: AlgeriaVoice

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *