في الثقافة الإسلامية

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

يوليو 11, 2006

الأستاذ صالح قيطوني*

الثقافة كمجموعة قيم وممارسات، مع قضايا الحياة المتعددة، ومواقف واضحة من الأحداث المتصلة بالفرد والجماعة في الساحة الضيقة أو في رقعة شاسعة، أبرز دلالة على الوعي بالظروف الزمانية والمكانية، والوجود، ورسالة الحياة.

ومع الإقرار بنسبية هذه الفكرة، فإن الوعي يزداد قوة بارتكاز هذه الثقافة على مرجعية ايديولوجية تعبئ الانسان وتوجهه وتمنعه من الانحراف وتفصله عن تبني أشكال ثقافية معادية لقيمه ومعرفته ونمط التنمية الذي ارتضاه لنفسه.

ومن اللائق أن نشير في البداية الى تعدد مضمون الثقافات جودة ورداءة، انطلاقا من تعدد أشكال ومستويات المجتمعات، ويمكن أن نستشف من هذا التعدد فعالية وأهمية ثقافية بالنسبة لأخرى، فهناك من المجتمعات من لا تتعدى ثقافته ركاما من الطقوس الوثنية والتقاليد التي تتألق فيها الجوانب الأقرب الى الحيوانية، على عكس مجتمعات أخرى، تمتلك ثقافة ذات خصائص انسانية رفيعة منهجا وممارسة، لها من الثوابت ما يتحكم في المتغيرات ويكفيها طبقا للخصائص والمميزات العامة.

هذه الإشارة ضرورية ونحن نتكلم عن الثقافة الاسلامية كجزء أساسي من تصور الإنسان المسلم، للكون والحياة، وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية، وتصوره لطبيعة وجوده ومصدر هذا الوجود وهي ثقافة متكاملة لها نظرة موضوعية عن جميع جوانب الحياة، وتسري باستمرار المكتسبات المعرفية المحصل عليها بفعل البحوث والدراسات والاحتكاك مع الطبيعة، وهي من هذا المنظور كافية ذاتيا لإشباع الحاجيات الثقافية للمسلم، الأمر الذي يضعها في مرتبة الثقافة ذات الخصائص الانسانية الرفيعة المشار اليها سابقا، والسر في ذلك هو صفاء مصدرها وشموليته – القرآن الكريم والسنة النبوية فضلا عن عطاءات الدراسات الاسلامية ذات التصور الصحيح.

ورب سائل عن موقف المثقف المسلم من أوجه الثقافات الأخرى وحملات الاختراق المنظمة لإحداث التصدع في الجبهة الثقافية الاسلامية. ان هذا الموقف لا يمكن افتعاله، أو التعبير عنه بأساليب سطحية، بل هو من صميم منهج الثقافة الإسلامية نفسها، وخصائصها الذاتية، وحضوره ضروري في كل لحظة، خاصة وأن المثقف يتعرض يوميا لاكتساحات معرفية ضخمة، وافتراضات بشرية لا تستند على أي منطق، أطلق عليها تعسفا، اسم النظريات العلمية، وهي في حقيقتها ليست الا تخمينات وظنونا كان لها أن تموت في المهد لولا هالة الدعاية الكبرى المرافقة لها، والتسلط الذي صاحب تمثيليات تطبيقها في واقع الناس.

ان الموقف ـ أمام مثل هذه الحالات ومنها ـ ينبثق مما تتصوره الثقافة الاسلامية وتقترحه من حلول.

ونقطة البدء تتمثل في ان الفرد المسلم لا يتعامل في فراغ، ولا يعيش في عزلة عن الناس، بل في اتصال دائم بالأفكار الاخرى, معادية وغير معادية, عن طواعية أو إكراه, ومن الطبيعي جدا أن يمتلك موقفه ورؤيته، ورد فعله، ويعبر عن جميع هذه العناصر بشكل معين، يستجيب أساسا للاطار العام الذي يستقي هو الآخر منه مكونات ثقافته، مدركا في ذات الوقت أن الثقافات الاخرى وليدة بيئات وظروف وصراعات أخرى أفرزت سيلا من أشكال التعبير والممارسات وطرق عيش لا تتلاءم اطلاقا مع بيئته وأسلوب حياته، وايمانه بأن هناك حسابا آخر غير حساب الأشخاص وزمانا آخر غير زمان البشر.

ومن هنا وجب عليه فرز ركام هذه الثقافات ودحض الافكار المعارضة لثقافته، وقد فعل هذا كثير من العلماء المسلمين في عصور مختلفة رغم حصول تجاوزات أفضت الى انزلاقات خطيرة في ميدان الفلسفة والفكر.

وفي هذا السياق ينبغي مقاومة محاولات تبني العلوم الانسانية الحالية تبنيا اجماليا نظرا لأنها افراز طويل لتطورات اجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسانية لمجتمعات غير اسلامية، ودعم المجهود الفكري الجاري بهدف تكريس منهج اسلامي في العلوم الانسانية، يدرس هذه العلوم ويشرحها، ويستقيد من بعض النتائج العلمية الموضوعية التي يمكن أن تصل اليها هذه العلوم.

والثقافة الاسلامية عامل استراتيجي يحفزنا على سلوك هذا الاتجاه، فلها من المضامين والمحتويات ومجالات التطبيق ما يمنحها قوة الصمود والتأثير في الثقافات الاخرى. ويمكن أن نتقدم بخطى ثابتة وبيدنا هذا الرصيد الضخم الزاخر من المعارف والعلوم الاسلامية التي أثريت خاصة خلال هذا القرن وصدرت بشأنها مئات المؤلفات في علوم القرآن والتي تضمنت كذلك الخطوط العريضة لعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتاريخ والاخلاق، من خلال رؤية اسلامية وتصور اسلامي صحيح.

وفي خضم هذا التفاؤل يتساءل كثير من الناس عن غياب الثقافة الاسلامية كواقع وممارسة وسلوك.

ان ما يستوجب التوكيد ـ والسؤال يواجهنا ـ هو أن هذا الوضع ناتج أساسا عن غياب المنهج الاسلامي الشامل الذي تشكل الثقافة أحد روافده الاساسية، ومن ثم غياب الحل الاسلامي لقضايا السياسة والاقتصاد والمشاكل الاجتماعية، بفعل ارادي ذاتي وخطط خارجية معادية، كرست حالة التسيب وألجأت الكثير الى تبني الحلول الغربية التي زادت الأوضاع خطورة اذ ثبتت من جهة حالة التخلف، وكونت من جهة ثانية قطيعة مع التراث.   

عن مجلة “الرسالة” 1987.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

·        كاتب وصحفي جزائري معروف،

تم اعتقاله يوم11/7/96 من طرف قوات النظام, وسلم إلى المركز الإقليمي للأبحاث والتحريات التابع للناحية العسكرية الخامسة، حسب محضر إثبات تبليغ تسلمته والدته من مصالح الشرطة يوم 29/3/1997. ومنذ ذلك الحين أنقطعت أخباره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.