مناظرة بين الأرض والسماء

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

مارس 1, 2005

لمحمد أفندي المبارك الجزائري

    جالت السماء في ذلك المضمار وصالت، ونوهت برفيع قدرها وقالت: تبارك الذي جعل في السماء بروجا، ومنح أشرف الخلق إلى مروجا، وقدمني في الذكر في محكم الذكر، وشرفني بحسن القسم، وأتحفني بأوفر القسم، وقدسني من النقائص والعيوب، وأطلعني على الغوامض والغيوب، وقد ورد أن الرب ينزل إلى كل ليلة، فيولي من تعرض لنفحاته بره ونيله. فيا لها من تحفة جليلة ومنحة جزيلة يحق لي أن أجر بها ذيول العزة والافتخار، وكيف لا والوجود بأسره باسط إلى أيدي الذلة والافتقار، فلي العز الباذخ، والمجد الأثيل الشامخ، لتفردي بالرفعة والسمو وعلو المنزلة دون غلو.

 

   فقالت لها "الأرض": ويك لقد أكثرت نزرا وارتكبت بما فهت وزرا، أما إنه لا يعجب بنفسه عاقل، ولا يأمن مكر ربه إلا غافل، ومن ادّعى ما ليس له بقوله أو فعله، فهلاكه أقرب إليه من شراك نعله، وقد قيل: "من سعادة جدّك، وقوفك عند خدّك" ومن فعل ما شاء لقي ما ساء، أو ما كفاك أن خطرت في ميادين التيه والإعجاب! حتى عرضت لشتمي "إن هذا لشيء عجاب"! وهل أختصك الله بالذكر؟ أو أقسم بك دوني في الذكر؟ أو آثرك بالتقديم، في جميع كلامه القديم، حتى ترديت بالكبرياء وتعديت طور الحياء!

إذا لم تخش عاقبــــة الليالي     ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا وأبيك ما في العيش خير     ولا الدنيا إذا ذهب الحيــاء

   وكيف تزدرين أهلي بالذنوب والمعاصي؟ وأنت تعلمين أن الله هو الآخذ بالنواصي؟

   فقابلتها "السماء" بوجه قد قطبته، ومجن قد قبلته، وقالت لها في الحال: أيتها القانعة بالمحال، ما كنت أحسب أنك تجترئين على مبارزة مثلي، وتنكرين علي ما ترنمت به من شواهد مجدي وفضلي، وهل خلت أن التحدث بالنعم مما يلام عليه؟ مع أن أمر مندوب إليه؟ ومن أمثال ذوي الفطنة والعقل "ليس من العدل سرعة العذل" وكيف جحدت ظهور شمس كمالي؟ وهل لك من الفضائل والفواضل كما لي! ولكن لك عندي عذرا جليا. وإن كنت "لقد جئت شيئاً فريا".

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد     وينكر الفم طعم الماء من سقم

ولو رأيت ما فيك من المساوي عيانا، لما ثنيت إلى حلبة المفاخرة عنانا، فأني تفوزين بأشرف الأقدار، وأنت موضع الفضلات والأقذار؟ وما هذا التطاول والإقدام، ووجهك موطئ النعال والأقدام، إن هذا إلا فعل مكابر، دعوى عريضة وعجز ظاهر، وهل يحق للكثيف أن يتغالى على اللطيف، أم ينبغي للوضيع أن يتعالى على الرفيع!

   فقالت لها "الأرض": أيتها المغترة بطوالع أقمارها والمُعتزّة بلوامع أنوارها "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل حمراء لحمة" فبم تزعُمين أنك أتقى مني وأنقى، وما عند الله خير وأبقى، وأنت واقفة لي على أقدام الخدمة جارية في قضاء مآربي بحسب الحكمة، قد كلفك الحق بحمل مؤونتي، وكلفك بمساعدتي ومعونتي، ووكلك بإيقاد سراجي ومصباحي، ووكلك إلى القيام بشؤوني في ليلي وصباحي، وليس علوك شاهدا لك بالرتبة العلية، فضلا عن أن يوجب لك مقام الأفضلية ـ فما كل مرتفع نجد، ولا كل متعاظم ذو شرف ومجد.

وإن علاني من دوني عجب     لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل

   فمن أعظم ما وفقت به حسنا وجمالا، وكدت بأخمصي أطأ الثريا فضلا وكمالا تكوين الله مني وجود سيد الوجود، فأفرغ عليّ به خلع المكارم فهو بدر الكمال وشمس الجمال:

وأجمل منك لم تر قط عين     وأكمل منك لم تلد النساء

    فأكرم به من نبي أسرني به وأرضى، كيف لا وجعلني له مسجدا وطهورا، واقر به عيني بطونا وظهورا.

    فأبرقت "السماء" وأرعدت، وأرغت وأزبدت، وقالت: إن لم تتخطّي خطة المكابرة وتتخلى عن هذه المثابرة، لأغرقنك في بحر طوفاني، أو أحرقنك بصواعق نيراني، وهل امتطيت السماكين، أو انتعلت الفرقدين، حتى تفتخري عليّ، وتشيري بالذم إليّ، وتلك شهادة لي بالكمال، ولقد صدق من قال:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص    فهي الشهادة لي بأني كامل

   أم حسبت أن لك في ذلك حجة، فخاطرت بنفسك في ركوب هذه اللجة وكنت كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه.

لكل داء دواء يستطب به    إلا الحماقة أعيت من يداويها

   أما دعواك أني واقفة على أقدام الخدمة، فهي مما يوجب عليك شكر الفضل والنعمة، فلو تفكرت أن خادم القوم هو السيد والمولى، وعرفت الفاضل من المفضول، أو تدبرت أن "اليد العليا خير من اليد السفلى" لاستقلت من هذا الفضول، فإن قيامي بشؤونك أوضح أمارة ـ وأما قولك: مني سيد الوجود، ومن اصطفاهم لحضرته الملك الودود، فإن كنت تفتخرين بأشباحهم الظاهرة، فأنا أفتخر بأرواحهم الطاهرة، أما علمت أنها في ملكوتي تغدو وتروح، وبواردي (1) بسطي وقبضي تشدو وتنوح، فأنا أولى بهم وأحرى بالافتخار بحزبهم.

   فلما سمعت الأرض من السماء مقالة تقطر من خلالها الدماء، أطرقت لمحة بارق خاطف، أو نغبة (2) طائر خائف، ثم قنّعت رأسها، وصعدت أنفاسها وقالت: لقد أكثرت يا هذه اللغط، وما آثرت الصواب على اللغط، فعلام تهزئين بي وتستخفين بحسبي ونسبي؟ وإلام تنقصين عرى أدلتي، ولا تعاملينني باللتي؟ وحتام تقابلينني بأنواع التأنيب، ولمَ لا تقفي على حقيقتي بالبحث والتنقيب؟ أحسبت أن الجسم ما خلق إلا عبثا، ولا كان للنفس النفيسة إلا جدثا؟ وفي ميدانه تتسابق الفُهوم، وتدرك عوارف المعارف والعلوم، وبه تترقى الأرواح في مراقي الفلاح. وكيف لا يكون مقدسا من كل غي ومين؟ وهو لا يفتر عن تسبيح بارئه طرفة عين! وإلى متى أنت عليّ متحاملة؟ وعن آية العدل والإحسان متماحلة؟ وأنا لك أسمع من خادم، وأطوع من خاتم، على أن لي من الفضائل ما ثبت بأصح البراهين والدلائل، أما في بقعة من أشرف البقاع على الإطلاق، لضمها أعضاء من تمم الله به مكارم الأخلاق! وفي روضة من رياض الجنة كما أفصحت عن ذلك ألسنة السنة، ومني الكعبة والمشعر الحرام، والحجر وزمزم والركن والمقام، وعلى بيوت الله تشد إليها الرحال، ويسبح فيها بالغدو والآصال رجال، وأخرج مني طيبات الرزق فأكرم بها عباده، وأتم نعمته عليهم فجعل الشكر عليها عبادة، وناهيك بما اشتملت عليه من الرياض والغياض، ذات الأنهار والحياض، التي تشفي بنسيمها العليل، وتنفي ببرد زلالها حر الغليل.

لمَ لا أهيم على الرياض وطيبها     وأظل منها تحت ظل ضاف

والزهر يضحك لي بثغر باسـم      والنهر يلقاني بقلب صافي

   فأسفرت عن بدر طلعتها "السماء" وهي تزهو في برود السنا والسناء، وقالت تناجي نفسها عندما رق السمر، حتام أريها السهى وتريني القمر؟ ثم عطفت عليها تقول، وهي تسطو وتصول: أيتها المتعدية لمفاضلتي، والمتصدية لمناضلتي متى قيس التراب بالعسجد؟ أو شبه الخصى بالزبرجد؟! إن افتخرت بشرف هاتيك البقاع التي زها بها منك اليفاع والقاع، فاين أنت من عرش الرحمن؟ الذي تعكف عليه أرواح أهل الإيمان؟ واين أنت من البيت المعمور! والكرسي المكلل بالنور؟! وكيف تفتخرين علي بروضة من رياض الجنة، وهي علي بأسرها فضلا من الله ومنة! أم كيف تزعمين أنه كتب لك بأوفر الحظوظ، وعندي القلم الأعلى واللوح المحفوظ؟ وأما ازدهاؤك بالحياض والأنهار، والرياض المبتهجة بورود (3) الورد والأزهار فليت شعري هل حويت تلك المعاني إلا بنفحات غيوثي وأمطاري؟! أم أشرقت منك هاتيك المعاني إلا بلمحات شموسي وأقماري؟! فكيف تباهينني بما منحتك إياه، وعطرت أرجاءك بأريج نشره ورياه؟! ويا عجبا منك كلما لاح عليّ شعار الحزن، خطرت في أبهى حلة من حلل الملاحة والحسن، وإن افترت ثغور بدور أنسي، وقرت ببديع جمالي عين شمسي، زفرت زفرة القيظ، وكدت أن تتميزي من الغيظ، ما هذا الجفاء يا قليلة الوفاء؟! وهل صفت أوقاتك إلا بوجودي، أو طابت أوقاتك إلا بوابل كرمي وجودي؟! ولو قطعت عنك لطائف الإمداد لخلعت ملابس الأنس ولبست ثياب الحداد! أو حجبت عنك الشموس والأقمار لما ميزت بين الليل والنهار! فهلا كنت بفضلي معترفة حيث إنك من بحر فيضي مغترفة؟!

   فنزعت "الأرض" عن مقاتلتها، وعلمت أنها لا قبل لها بمقابلتها، وحين عجزت عن العوم في بحرها، واستسلمت تمائمها لسحرها، بسطت لها بساط العتاب، متمثلة بقول ذي اللطف والآداب:

إذا ذهب العتاب فليس ود     ويبقى الود ما بقي العتاب

    ثم قالت: اعلمي أيتها الموسومة بسلامة الصدر، الموصوفة بسمو المنزلة وعلو القدر، إن الله ما قارن بين اسمي باسمك، ولا قابل صورة جسمي بجسمك، إلا لمناسبة عظيمة، وألفة بيننا قديمة، فلا تشمتي بنا الأعداء، وتسيئي الأحباء والأودّاء، فغن ذلك من أعظم الرزايا، وأشد المحن والبلايا.

كل المصائب قد تمر على الفتى     فتهون, غير شماتة الأعداء

   ألا وإن العبد محل النقص والخلل، وهل يسوغ لأحد أن يبرّئ نفسه من الزلل؟! ومن ذا الذي يسلم من القدح، ولو كان أقوم من القدح (4)

ومن ذا الذي ترضى مزاياه كلها    كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

   هذا، وإن لي مفاخر لا تنكر، ومآثر تجل عن أن تحصر، كما أنك في الفضل أشهر من نار على علم، واجل من أن يحصى ثناء عليك لسان القلم، فإلى متى ونحن في جدال وجلاد، نتطاعن بأسنة ألسنة خداد، وهل ينبغي أن يجر بعضنا على بعض ذيل الكبر والصلف، عفا الله عما سلف، وهذه لعمري، حقيقة أمري، فانظري إليّ بعين الرضا واصفحي بحقك عما مضى.

   ولما سمعت السماء هذه المقالة، التي تنجح إلى طلب السلم والإقالة، قالت لها: مآرب لا حفاوة، ومشرب قد وجدت له حلاوة، وما ندبت إليه من المودة والألفة، فلأمر ما جدع قصير أنفه، ولو لم تُلقي إليّ القياد، لعاينت مني ما دونه خرط القتاد، ولكن لا حرج عليك ولا ضير، فإنك اخترت الصلح والصلح خير، وكيف جعلت العتاب شرطا بين الأحباب أو ما سمعت بعض أولي الألباب:

إذا كنت في كل الأمـــور معاتبـا      صديقك لم تلق الذي لا تعاتبــه

وإن أنت لم تشرب مرارا على القذى     ظمئت وأي النّاس تصفو مشاربه

 

   وها أنا رادة إليك عوائد إحساني، وموائد جودي وامتناني، فقري عينا وطيبي نفسا، وتيهي ابتهاجا وأنسا، وأبشري ببلوغ الوطر، وزوال البؤس والخطر، فسجدت الأرض شكرا، وهامت نشوة وسكرا، وتهلل وجهها سرورا، وامتلأت طربا وحُبورا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

1)    وارد: طريق

2)    النغبة: الجرعة.

3)    وردت الشجرة ورودا إذا أخرجت وردها.

4)    القدح: بكسر القاف السهم قبل أن يراش ويركب نصله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

. نقلا عن كتاب "جواهر الأدب في أدبيات وانشاء لغة العرب"، تأليف السيد أحمد هاشمي. منشورات مؤسسة المعارف بيروت ـ لبنان

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.