العقيدة ليست بضاعة تباع وتشترى

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

مايو 16, 2022
عندما تحولت قبيلة “كتامة” الأمازيغية الجزائرية (1) إلى المذهب الشيعي الفاطمي.. ضرب عليها الحصار في كامل المغرب من أدناه إلى أقصاه.. حصارا مطوقا اجتماعيا واقتصاديا، حيث لم يعد ممكنا الزواج من عندهم ولا ممارسة التجارة معهم.
لقد تزعزع المغرب كله لهذا التحول الشاذ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
كانوا يعرفون أنه عندما تمس العقيدة بالعطب، فسينهار بعدها كل شيء.. لهذا عملوا أن يخنق ذلك التحول في المهد ولا يسمح له بالانتشار، وأن العلاج لا بد أن يكون راديكاليا، لهذا فرضوا الحصار، حتى أقلع سكان تلك المنطقة عن الانتماء إلى ذلك المذهب، وعادوا إلى أحضان أهلهم، أتباع السنة المحمدية، كما كانوا.
الآن، نلاحظ أن بعض الناس يتصرفون مع العقيدة وكأنها سلعة يتبادلها مع غيره.. بحجة التسامح وحب الخير للناس! وكأن هؤلاء القوم هم أكثر رحمة وشفقة من الله سبحانه وتعالى على عباده!
كل البشر بدون استثناء لهم فرصة اختيار العقيدة الصحيحة والدين الحق: “مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا”. لا أحد يعذب قبل أن يواجه الحقيقة في دنيا الناس.. كل عليه أن يختار في أي طريق يمشي، وأي عقيدة يختار.
في عام 2010، حدثني أحد الأصدقاء، وهو كردي عراقي، حيث نقل لي ما أخبره به كردي آخر من سوريا من أتباع مذهب الشيطان، والذين يعرفون باليزيدين، الذين يعبدون الشيطان مباشرة دون وساطة!
قال له هذا الشخص (وكنت أعرفه شخصيا): أن العشيرة التي ينتمي إليها، مقسمة في العقيدة إلى قسمين:
النصف منها يدين بالديانة الاسلامية، والنصف الآخر يعبدون الشيطان!
وحدث أن ذهب كبير أو زعيم الجزء المسلم إلى الحج، وعندما عاد التقى بكبير الجزء الآخر وأخبره، بأنه عندما تذكرهم وهو في الحج واحتراما لهم ولدينهم (الشيطاني)، قرر التنازل عن رمي الجمرات في منى!
لهذا الحد قد يصل الاستخفاف بالدين، عندما ينافق الشخص ويجامل على حساب عقيدته.. لإرضاء أناس لا يحبون المسلمين ولا يرحمونهم في أول فرصة سانحة تتوفر لهم.
لهذا نرى أن المشرق عكس المغرب مملوء بالطوائف، جلها خرجت من رحم الإسلام.. لكنها وجدت التربة للانتشار والعيش.. ولا أستبعد شخصيا، إن نحن ذهبنا إلى القرية المعنية في حديثي، والتي تقع في عفرين السورية، وسألنا أهلها، من يذهب منهم إلى الحج، إن كان يرمي الجمرات أم لا، إن كان جوابه بالنفي!
في جوان 2003 حضرت محاضرة للدبلوماسي الألماني الأسبق المسلم مراد هوفمان (2) الذي توفي في يناير 2020 رحمه الله، قدمها في جامعة (Paderborn) غرب ألمانيا بعنوان: “هل فوت الإسلام فرصة إصلاح نفسه؟” ورغم أن الموضوع لم يكن له علاقة بالجزائر.. كان من مرة إلى أخرى يذكر الجزائر وما عاشه هناك، قبل إسلامه وبعده.. وقد ذكر مثالا على تعلق المسلم بعقيدته، أنه ذات يوم من عام 1959 وكان شهر رمضان، كان يجلس بإحدى حانات غرداية مع مجموعة أوروبية ومعهم جزائري.. كانوا يشربون الخمر وكانوا يسخرون من شهر رمضان والإسلام.. فأنتفض جليسهم الجزائري السكير وبدأ في شتمهم، ثم غادر الحانة.. يقول: أن هذه أحد أهم الأسباب عنده في التحول للتفكير في الإسلام وعقيدته.. قال إنه لم يستوعب، كيف أن مسلما هو في الواقع، يشرب الخمر ولا يمارس الطقوس الإسلامية، ينتفض بتلك الحدة مدافعا عن الإسلام.
المأساة في العقيدة والتذبذب في المواقف، بدأت مع إعلان الوهابية فتح باب الجهاد في أفغانستان نهاية 1979.. فلتجنيد الشباب العربي للذهاب للحرب ضد الجيش السوفييتي، وبطلب من أمريكا والقوى الغربية.. تجندت الوهابية المارقة (ذرية الخوارج) للإفتاء بالسماح بالقتال إلى جانب الأفغان بيادقة الغرب..
قبل تلك الأحداث، كانت عقيدة المسلم واضحة.. حتى غير المتدين، يعرف إلى أي جهة ينتمي وما هو الدين الذي يتبع.. ولا يسمح لنفسه ـ وإن كان لا يمارس الشعائر ـ أن يقف مع كافر أو مشرك مهما كان.
الوهابية التي تقول اليوم بعدم الترحم على غير المسلم (وهذا معروف من الدين بالضرورة)، تسببت في إرسال مئات الآلاف من الشباب العربي المسلم إلى أفغانستان للقتال تحت راية المخابرات الأمريكية والمخابرات الغربية، لتحرير شرق أوروبا المؤمنة من كفر وشرك الشيوعية!
ثم بعدها أفتت بالسماح لدخول الكفار إلى أرض الحرمين عام 1990.. والاستعانة بالمشركين، لإنقاذ حكم المماليك في الخليج.
الوهابية المارقة، التي تدعي دفاعها عن التوحيد وفرضه في بلاد الحرمين (وكأن الذي كانوا قبلها كانوا يعبدون الأبقار أو التماثيل!).. هي تسوق الفكرة والترويج لها (خاصة في موسم الحج)، لتخفي وراءها الدفاع المستميت عن العائلة المارقة التي بنت مجدها لخدمة مصالحها ومصالح الغرب المتبادلة.. لأنها لو أنها فعلا تعمل على التوحيد، لدعت إلى الوحدة الإسلامية وتوزيع الثروة بين أفراد الأمة.. وليس العمل ليل نهار على نشر الفتن وتوسيق الأكاذيب ضد الحركات الإسلامية الأخرى.. حتى لا تجتمع الأمة على كلمة سواء (3)

ـــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

(1) كانت عاصمة هذه الدويلة الشيعية هي (إيكجان)، بالعربية تعني «دار الهجرة» وهي مدينة بناها أبو عبد الله الشيعي بجبل إيكجان الموجود في منطقة بني عزيز التابعة لدائرة بني عزيز الموجودة في ولاية سطيف.
(2) لم أر في المشرق والمغرب من يحب الجزائر مثل الأستاذ مراد هوفمان رحمه الله. لقد دافع عن الإسلام في تلك المحاضرة بشراسة، وكانت جل أمثلته من الجزائر، بدءا من تذكير الحضور (أغلبهم كاثوليك) من تحويل فرنسا الاستعمارية لـ 300 مسجد في الجزائر إلى كنائس، إلى الدعوة إلى التركيز على تحقيق الأمن في الجزائر.
(3) أحد الأصدقاء الأتراك، الذي تأخر بعد حج البيت في العودة إلى بلاده، وقبض عليه وأدخل السجن في السعودية لمدة شهرين، أخبرني أن المساجين كانوا يتوسلون حراس السجن، لإعطائهم الماء للتوضؤ دون جد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.