العلامة الشيخ مبارك الميلي في الذكري الستين لوفاته

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

أبريل 24, 2005

 

 

أمير البيان شكيب ارسلان أعجب بكتابه التاريخي عن الجزائر والمرض اقعده عن اتمام هذا العمل الموسوعي.

أغضب التيجانية عندما انتقد ممارسات الصوفية في كتابه الشرك ومظاهره، وأتباعه اعتبروه ناصر السلف.

بقلم: نبيل أحمد حلاق

الحديث عن عظيم من عظماء أيّ أمة أو علم من أعلامها، هو حديث عن ذاكرتها وتاريخها، ووصل بين حلقات الأجيال المتعاقبة فيها، يتعرّف من خلاله اللاحقُ منها على السابق، وترث منها أسبابَ العز والمجد، وتستأنف بزادها مسيرة الحياة.

وليس عيبا أن تتذكر أمةٌ أعلامَها ورجالَها وتجعل لذلك آثارا وعلامات، ما لم تكن تلك الذكريات مناحات قائمة على الندب والتفجّع، وهدراً للأموال والأوقات، وتلاعباً بالتاريخ والحقائق، بل عظة وتدبرا، وتأملا في جوانب العظمة والقوة في حياتهم لغرض الاقتداء والتأسي.

والجانب المفيد في هذه الذكريات ـ كما يقول العلامة الامام محمد البشير الابراهيمي ـ أن تكون درسا لخصائص الرجال، وتجلية لمناشئ ذلك فيهم، ووضعا للأيدي على الذخائر الخلُقية المودعة في نفوسهم الكبيرة واعلانا للميزات العالية التي كانوا بها رجالا، واذاعة لما يجهله الناس أو يغلطون فيه من موازين الرجولة أو يبخسونه من قيمها.

والعلامة الشيخ مبارك الميلي واحد من الأعلام العظام الذين تفتخر الأمة المسلمة بانتمائهم اليها، وتتشرف أرض الجزائر بإنجاب أمثاله. فلقد أفني ـ رحمه الله ـ حياته كلها في خدمة أمته وبلده والدفاع عن كل ما تقوم به حياتهما وتتحقق به كرامتهما. فكان من ثَمّ حقه على الأجيال أن تحفظ له فضله وتذكر أعماله ومناقبه، لتكون منارا مرشدا لها ولمن سيأتي بعدها.

وهذه السطور محاولة للوقوف عند بعض المحطات الرئيسة في حياة ذلك الرجل العظيم ـ في الذكري الستين لوفاته ـ والتأمل في بعض جوانب العظمة من سيرته.

عصره وبيئته

يعتبر العصر الذي ولد ونشأ فيه الشيخ مبارك الميلي، من أظلم الحقب التي مرت بها الجزائر منذ عهود طويلة من تاريخها. ذلك لأنه قد مضي على الاحتلال الفرنسي لها حينئذ قرابة القرن. كما أن فشل ثورات الجزائريين المتتالية ضد ذلك الاحتلال، وما تبعه من بطش وانتقام، قد بعث روحَ اليأس في الكثير منهم، وأرسي من جهة أخري قناعة قوية لدي الاحتلال بأن الجزائر صارت والي غير رجعة، قطعة من ممتلكاته وامتدادا لنفوذه وسلطانه، وقد عبّر ذلك المستعمر عن تلك القناعة بكل تحد وغرور في احتفالاته الاستفزازية بمناسبة مرور قرن على احتلاله للبلاد.

ورغم تلك الصورة القاتمة، فقد كانت -على الجانب الآخر منها- تلوح تباشير الأمل بميلاد جيل جديد من الجزائريين، حيث شهد زمنُ ميلاد الشيخ مبارك الميلي، ميلادَ العديد من أبناء جيل النهضة والأمل من أمثال ابن باديس والعقبي والابراهيمي والتبسي وكثير غيرهم. كما عرف أيضا حركةً علمية كانت تقوم بها جملةٌ من العلماء المصلحين من أمثال الشيوخ بن مهنا والمجاوي وبن سماية وبن الموهوب وحمدان الونيسي وغيرهم، بالإضافة الي جهود المقاومة السلمية المتمثلة في حركة الأمير خالد وغيره. غير أن تلك الحركة العلمية كانت تتم بشكل فردي وتخضع لإمكانات القائمين عليها وللظروف المحيطة بهم، اذ أنَّ معظمهم كان موظفا رسميا يعمل تحت رقابة واشراف ادارة الاحتلال. وعندما عاد روادُ النهضة العلمية والاصلاحية ـ فيما بعد ـ من دراساتهم خارج الجزائر في جامعتي الزيتونة والأزهر وغيرهما، اتحدت الجهود وتوحدت الفكرة وتحدد المنهج، فدُكّت على إثر ذلك صروحُ الجهالة والخرافات، وتهاوت أصنام الاستعمار في نفوس الجزائريين وعقولهم، فانتفضوا وأزالوها من واقعهم، وحطّموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وذلك بثورة 1954 المباركة.

مولده ونشأته وتعلمه

ولد الشيخ مبارك بن محمد الابراهيمي الميلي في قرية أورمامن في جبال الميلية بشرق الجزائر حوالي سنة 1896. ومات والده وهو في الرابعة من عمره.

عكف منذ صغره – كغيره من الكثير من أبناء الجزائريين آنذاك – على حفظ القرآن الكريم، فأتم حفظه علي يد الشيخ أحمد بن الطاهر مزهود في جامع سيدي عزوز بأولاد مبارك.

عودته الي الجزائر وأعماله فيها

بعد اتمام حفظ القرآن، رَغبَ الميلي في مواصلة مسيرة طلب العلم، فاتجه الي مدرسة الشيخ محمد ابن معنصر الشهير بالميلي ببلدة ميلة حيث مكث أربع سنوات ثم اتجه الي مدينة قسنطينة وانضم الي دروس الشيخ الامام عبد الحميد ابن باديس وأصبح من بين أعظم تلاميذه وأكثرهم انتفاعا بعلمه. غادر الميلي قسنطينة بعد ذلك الي تونس لمواصلة دراسته بـ الزيتونة حيث درس مثل شيخه ابن باديس على أبرز شيوخها من أمثال عثمان خوجة ومحمد النخلي والصادق النيفر ومحمد بن القاضي والطاهر بن عاشور وغيرهم، ثم ليعود بعد تخرجه منها الي بلده الجزائر سنة 1925.

استقر الشيخ مبارك الميلي فور عودته الي الجزائر بمدينة قسنطينة حيث عمل مُعلما في مدرسة قرآنية عصرية تأسست في مسجد سيدي بومعزة الذي كان يقع في نفس شارع مطبعة وادارة جريدة الشيخ ابن باديس الشهاب.

فبقي في تلك المدرسة الي بداية سنة 1927 ثم غادر قسنطينة الي مدينة الأغواط في الجنوب الجزائري والتي استقبله أهلها استقبالا عظيما. فقام فور وصوله اليها بتأسيس مدرسة تولي فيها الاشراف على تعليم أبناء الجزائريين بنفسه.

تعرّف الشيخ الميلي من خلال تلك المدرسة على بعض أبناء المدينة ورجالها الذين كانوا يؤيدون منهجه الاصلاحي ويؤازرونه في أعماله، كما تعرف أهل الأغواط بدورهم على الميلي، فأحبّوه ورأوا فيه رجل العلم المتمكن والمتنور والمتحرر من قيود الشعوذة والخرافات السائدة بين أوساط أهل العلم في ذلك العصر.

ذاع سيط الشيخ الميلي بين سكان المدينة وعرفت مدرسته نشاطا متناميا وقبولا متزايدا لدي الشباب خاصة، كما صار نشاطه يمثل وجودا بارزا للإصلاح الذي كانت تعارضه الطرق الصوفية آنذاك، وباتت أفكاره وآراؤه محل حديث الخاص والعام في المجتمع. ولم بكن يقتصر نشاطه في تلك المدينة على الجانب العلمي فقط، بل تجاوزه الي جوانب أخري لم تكن مألوفة ولا معروفة عن أهل العلم حينئذ مثل قيامه بتأسيس أول ناد لكرة القدم في المدينة سنة 1927.

أثار تنامي نشاط الميلي تخوف السلطات الفرنسية من الانعكاسات التي قد تنتج عن تأثيره في فئة الشباب خاصة والمجتمع عامة، فأمرته بمغادرة الأغواط بعد سنوات من العمل والنشاط. ويبدو أنَّ الطريقة التيجانية لم تكن بريئة من السعي لإثارة تلك المخاوف في أوساط ادارة الاحتلال ومن ثَمَّ استصدار قرار الابعاد النهائي.

غادر الشيخ مبارك الأغواط متجها الي بلدة بوسعادة حيث قام بالأعمال والنشاطات نفسها، الا أن حظه مع الادارة الفرنسية في تلك البلدة لم يكن أفضل من الأولي، حيث أمرته بدورها بمغادرة بوسعادة أيضا.

بعد سنوات من العمل والنشاط في قسنطينة والأغواط وبوسعادة، عاد الشيخ الميلي الي ميلة ليستأنف ما بدأه من أعمال منذ عودته من تونس، فاستقر بها وسعي بمعية بعض أعيانها الي تأسيس مسجد جامع تقام فيه الصلوات، فكان هو خطيبَه والواعظَ فيه، وقد أقيم المسجد على جزء من بيت فسيح أهداه أحد أعيان المدينة المناصرين للإصلاح ـ محمد بن ناصف ـ الي أهل البلدة. ثم أنشأ الاصلاحيون في ميلة بقيادة الشيخ الميلي، جمعيةً باسم النادي الاسلامي فانضمت جهودُها الي ما كان يقوم به ذلك المسجد من أعمال في مجال الاصلاح. وتوسيعا لدائرة الأعمال والنشاطات فقد كوّن المسجد والنادي المذكورين جمعية أخري تحت اسم جمعية حياة الشباب.

وقد أثّرت تلك النشاطات المكثفة والمتنوعة ـ من خلال تلك المراكز العلمية ـ في الناس أيَّما تأثير، مما أدي ببعض التقارير الفرنسية آنذاك، بالإقرار بأن الشيخ مبارك الميلي كان يُقَدِّم تعليما حيًّا وواسعا. وهذا ما جلب له كغيره من زملائه من علماء الاصلاح الآخرين، سخطَ ادارة الاحتلال من جهة، والعلماء الرسميين ـ الموظفين عند الادارة الفرنسية ـ وشيوخ الطرق الصوفية من جهة أخري.

نشاطه الصحافي

ساهم الشيخ مبارك الميلي بقلمه السيال في الحياة الصحافية في الجزائر في عهده، فأظهر نشاطا بارزا فيها وكان أحدَ أبرز الطاقات التي قامت عليها الصحافة الاصلاحية بصفة خاصة، حيث كان من أول المحررين في المنتقد والشهاب منذ أيامهما الأولي ثم في السُنة والبصائر التي تولي ادارة تحريرها بعد تخلي الشيخ الطيب العقبي عنها سنة 1935. فقد تولي ادارتها فأحسن الادارة، وأجال قلمه البليغ في ميادينها، فما قصر عن شأو، ولا كبا دون غاية

كانت كتابات الميلي الصحافية تصدر بإمضائه الصريح تارة، وباسم البيضاوي تارة أخري، كما كان يكتب بغير امضاء أو بأسماء مستعارة تارات أخري حسب الظروف المحيطة بالحدث أو الموضوع الذي كان يتناوله. وقد نالت مساهماته الصحافية اعجاب الكثير من أهل العلم والاختصاص، حيث وصف بعضُهم عملَه الصحافي بأنه كان مملوءا قوةً وحركة ونشاطا، وأنّ أسلوبه الكتابي كان قويا في التعبير والانسجام مع دلالة أفكاره على كفاية واضحة وتضلع ووفرة مادة.

وكانت كتاباته تدور في معظمها حول قضية عصره، ألا وهي الاصلاح الديني والاجتماعي، فكان يصوب سهامه تجاه قلاع الاستعمار من خلال الهجوم على الخرافات التي علقت بأذهان الناس وسلوكياتهم، وبكشف أباطيل اعتقاداتهم في أدعياء التديّن من شيوخ التصوف الموالين للاحتلال. وكان ما كتبه في البصائر تحت عنوان الشرك ومظاهره في حلقات عديدة أبرز دليل علي ذلك الخط الذي رسمه لنفسه في هذا المجال. وقد تم جمع تلك الحلقات فيما بعد ونشرت في كتاب بطلب من بعض أصدقائه وقرائه سنة 1937 تحت عنوان رسالة الشرك ومظاهره.

في جمعية العلماء

حينما تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931 بنادي الترقي بعاصمة الجزائر، كان من الطبيعي لشخص بمثل صفات الشيخ مبارك الميلي أن يكون واحدا من أهم أركان ودعائم ادارتها، خاصة وأنه كان قد لازَم الشيخ عبد الحميد ابن باديس ـ قبل تأسيسها ـ طالبا جادا ثم عاملا ناجحا مقتدرا في حقل الاصلاح بجانبيه التعليمي والصحافي. وكنتيجة لتلك المكانة، فقد تم انتخابه عند تأسيس الجمعية عضوا في مجلس ادارتها وأمينا للمال فيها. ولقد شَهِد له بعض من عرفه عن قرب بالأمانة وحسن التسيير والتدبير في أعماله التي اضطلع بها.

إلى جانب تلك المهام التي كُلّف بها، كان يقوم مع غيره من زملائه العلماء بأعمال الجمعية المتنوعة الأخرى كالتعليم والخطابة والصحافة والجولات العملية لمختلف أنحاء الجزائر وغيرها. وقد كان الشيخ الميلي يقوم بتلك الأعمال جنبا الي جنب مع الشيخ ابن باديس الي أن توفي الأخير في 16/04/1940، فكان من شدة وَقْعِ مصيبة موته على نفسه أن سقط مغميا عليه أمام جثمانه رحمه الله لعظم حبّه له وتقديره لمكانته وادراكه لقيمة الخسارة المترتبة عن فقده.

لما توفي رئيس الجمعية الشيخ ابن باديس كان الشيخ محمد البشير الابراهيمي في منفاه في آفلو جنوب غرب الجزائر، فانتخبه اخوانه العلماء – وهو في منفاه – رئيسا جديدا لهم، فاضطلع الميلي مع بقية العلماء ورجال الجمعية بمهامها والقيام بأعمالها الي أن عاد رئيسُها المنفي الي أعماله فكان خيرَ عون له عليها، كيف لا وقد وصف الابراهيمي نفسه، مكانتَه وسيرتَه، فيها بقوله رحمهما الله جميعا وانّ لأخينا مبارك الميلي علي جمعية العلماء حقوقا، فقد كان مرجعها يوم تحلو لك المشكلات، وتضل الآراء، فيشرق عليها بالرأي كأنه فلق الصبح، وقد كان معقلَها يوم تشتبه المسالك، وتكاد الأقدام تزلّ، فيثبت علي الحق كالجبل الراسي، وكان منها بحيث لا يجترئ عنها مجترئ، ولا يفتري عليها مفتر، الا رمته منه بالسيف الذي لا تنبو مضاربه.

آثاره ومكانته العلمية

لم يترك الشيخ مبارك الميلي كغيره من علماء الجمعية آنذاك آثارا علمية مدونة كثيرة، وذلك بسبب انشغالهم بأعمال التربية والتعليم، وادارة أمور الجمعية ومصالحها، والتنقل المستمر في أطراف البلاد لتلك الأغراض وغيرها.

ورغم تلك الظروف والأسباب فإننا نجد أنه رحمه الله قد ترك بالإضافة الي مجموعة مقالاته في صحف جمعية العلماء وغيرها، مؤلّفين مشهورين كان أولهما هو تاريخ الجزائر في القديم والحديث والذي صدر الجزء الأول منه سنة 1927 والثاني في 1932 وقد انتهي الشيخ الميلي في تأليفه للكتاب الي بداية العهد العثماني من تاريخ الجزائر ومات من غير أن يتمّه، فأضاف له بعد استقلال الجزائر ابنُه محمد جزءا ثالثا خاصا بالحقبة العثمانية.

وقد نال كتاب الشيخ مبارك هذا اعجابَ وتقدير الكثير من العلماء والمفكرين والسياسيين، والصحف، والنوادي الأدبية، والفكرية. وقد نظّم محبّو المؤلف حفلا بمدينة قسنطينة تكريما له بمناسبة اصداره للجزء الأول منه (17).

ومِن الشخصيات التي اعجبت بذلك التأليف، الأمير شكيب أرسلان الذي كتب -بعد اطّلاعه عليه- الي الشيخ الطيب العقبي قائلا… وأما تاريخ الجزائر فوالله ما كنت أظن أنّ في الجزائر من يفري مثل هذا الفري. ولقد أعجبت به كثيرا.

أما شيخه العالم المجدد عبد الحميد ابن باديس فقد سرّ لذلك الكتاب أيّما سرور، ادراكا منه لقيمته وحاجة المسلمين في الجزائر لمثله في تلك المرحلة من حياتهم، فأرسل اليه كتابَ ثناء وتقدير ننقل فيما يلي بعض ما جاء فيه … وقفتُ علي الجزء الأول من كتابك تاريخ الجزائر في القديم والحديث فقلتُ لو سمّيتَه حياة الجزائر لكان بذلك خليقا، فهو أول كتاب صوَّر الجزائر في لغة الضاد صورةً سوية تامة، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك…اذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف من أحيا أمة كاملة، أحيا ماضيها وحاضرها… فليس – والله – كفاء عملك أن تشكره الأفراد، ولكن كفاءه أن تشكره الأجيال

أما الأثر الثاني فهو رسالة الشرك ومظاهره الذي سبقت الاشارة اليه من قبل. فقد كانت له مكانته العلمية أيضا، وتلقي حينئذ قبولا واسعا لدي الكثير من أهل العلم داخل الجزائر وخارجها، خاصة في مصر والحجاز. وقد تقرّر اعتماده كمصدر علمي في بعض جامعات، وثانويات تونس، والجزائر، وغيرهما. ولا يزال يُطبع الي الآن.

ولأهمية ذلك الاثر، فقد أقرّه مجلس ادارة جمعية العلماء المسلمين ـ بعد اجتماع دَرس فيه أعضاؤه مادته ـ من خلال تقرير أمضاه الكاتب العام للجمعية آنذاك، الشيخ العربي التبسي رحمه الله، نسوق فيما يلي بعض ما جاء فيه: …إذ دعاة الاصلاح اليوم في حاجة ماسة الي رسالة في هذا الموضوع جامعة لأدلة هذه المسائل… فنهض إلى القيام بهذا الفرض الكفائي، الأستاذ المحقق مؤرخ الجزائر الشيخ مبارك الميلي أمين مال جمعية العلماء، وجمعَ رسالةً تحت عنوان رسالة الشرك ومظاهره خدم بها الاسلام ونصر بها السنة وقاوم بها العوائد الضالة، والخرافات المفسدة للعقول. وعرض هذه الرسالة علي مجلس ادارة الجمعية، فتصفحها واستقصي مسائلها، فاذا هي رسالة تعدّ في أوليات الرسائل أو الكتب المؤلفة في نصرة السنن واماتة البدع، تقرّ بها عين السنة والسنيين وتنشرح لها صدور المؤمنين، وتكون نكبة علي أولئك الغاشين للإسلام والمسلمين من جهلة المسلمين ومن أحمرة المستعمرين الذين يجدون في هذه البدع أكبر عون لهم علي استعباد الامم… وانّ المجلس الاداري لجمعية العلماء يقرّر بإجماع أعضائه أحقية ما اشتملت عليه هذه الرسالة العلمية المفيدة ويوافق مؤلفَها علي ما فيها ويدعو المسلمين الي دراستها والعمل بما فيها...

وكما لقي كتابُ الميلي ترحيبا كبيرا في أوساط علماء الاصلاح، فقد قُوبِل أيضا برفض شديد من قِبَل الكثير من شيوخ الطرق الصوفية وأتباعهم، وخاصة في أوساط الطريقتين التيجانية والعلوية، هذه الأخيرة التي تهجمت علي الكتاب ومؤلفه بصفة خاصة وجمعية العلماء ودعاة الاصلاح بصفة عامة، ومثال ذلك ما تضمّنَتهُ رسالةٌ نُشِرَت لأحد أتباع تلك الطريقة في صحيفة لسان الدين وكان مما جاء فيها: … لقد اطلعت علي الكتاب المسمّى بالشرك ومظاهره لمؤلفه الشيخ مبارك الميلي، ولقد عرَّفتني صورةُ ذلك الكتاب ما تُقاسيه الأمة الجزائرية من المحن والبلايا من جماعة الاصلاح… وقـد حوي الكتابُ جملةً من التمويهات والأضاليل وفساد العقائد، وبالجملة فقد دَسَّ الشيخُ مبارك الميلي في هذا الكتاب ما لم يَدُسُّه ابليسُ في ثلاثة عشر قرنا .

بالإضافة الي الكتابين السابقين، كانت للميلي شروح لبعض القصائد، منها بائية حافظ، وقصيدةٌ لبشر بن عوانة، وقصيدة للضرير الأندلسي وغيرها.

ورغم قلمه الخصب، وفكره النير، وميله الي التأليف، فانه لم يكمل ما بدأه في تأليفه في تاريخ الجزائر ولم يُنتج غيرَ ما ذكرنا من قبل، وربما يكون مرض السكري الذي لازمه طيلة السنوات الأخيرة من حياته أحدَ الأسباب الرئيسة التي شكلت حاجزا بينه وبين التفرغ لذلك، ومؤثرا على نشاطه ومستوى أدائه في القيام بمسؤولياته. فلقد أرهقه المرض وأثر في صحته بشكل كبير حتى صيَّرَ بدنَه هيكلا هزيلا تهتز لرؤيته قلوبُ من عرفوه أيام الصحة والعافية.

رغم قصر حياته والظروف الصعبة التي تخللتها، فقد ترك الشيخ الميلي بصمات واضحة جلية في تاريخ النهضة والاصلاح في الجزائر، وفراغا رهيبا بعد اشتداد المرض عليه ثم وفاته بعد ذلك، اذ كان يعتبر واحدا من المؤهلين للقيام بدور قيادي وريادي مهم في الحركة الاصلاحية بصفة خاصة وفيما استقبلته الجزائر من أحداث جسام بعد وفاته بصورة عامة. ذلك الدور – الذي كانت صفاته ومؤهلاته وأعماله خلال حياته – تنبأ وتبشر به… ويمينا لولا ملازمة المرض الذي أودي به، وتأثيره في قوته البدنية، وفي قوته العقلية، لكان فلتةً في البطولة العلمية بهذا الوطن، كما كان آية في الذكاء ودقة الفهم والجلَد على البحث والاطلاع.

فقد نال رحمه الله بتلك الصفات مكانة علمية مرموقة في تاريخ الجزائر الحديث، شهد له بها كلُّ من عرفه عن قرب. ولعل أبلغ وأجمع ما كُتب أو قيل في وصف مؤهلات تلك الشخصية الفذة ومكانتها العلمية ما كتبه الابراهيمي في البصائر العدد 26 بتاريخ 8/3/1948 بمناسبة الذكري الثالثة لوفاته رحمه الله، حيث قال: حياة كلها جدٌّ وعمل، وحي كله فكر وعلم، وعُمر كله درس وتحصيل، وشباب كله تَلق واستفادة، وكهولة كلها انتاج وافادة، ونفس كلها ضمير وواجب، وروح كلها ذكاء وعقل، وعقل كله رأي وبصيرة، وبصيرة كلها نور واشراق، ومجموعةُ خِلال سديدة، وأعمال مفيدة، قلَّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضة، فاذا اجتمعت هيَّأت لصاحبها مكانَه من قيادة الجيل، ومهدَّت له مقعدَه من زعامة النهضة .

وفاته

ورغم شدة المرض، وتزايد تأثيراته على بدنه ونشاطه في أيامه الأخيرة، فقد كان الشيخ مبارك الميلي يحاول تحدي ذلك الوضع ولو بالقيام بالحد الأدنى من الأعمال، فلم تمنعه تلك الظروف الصحية من الحضور والتواجد في مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة بيوم واحد قبل وفاته، حيث نُقِل – بطلب منه – الي ميلة ليموت بين أهله، حيث دخل في غيبوبة فارق بعدها الحياة في يوم 9 شباط (فبراير) 1945.

وشيعت جنازتَه الآلاف من المحبين الذين قدِموا من أنحاء مختلفة من البلاد، وأبَّنَه باسم العلماء رئيسُهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وباسم الهيئات الوطنية فرحات عباس زعيم حزب البيان يومها. ودُفن بجانب قبر شيخه محمد بن معنصر الميلي.

وقد حزن لفراقه العلماءُ والمحبون وكل من عرف قدره ومكانته. ونظرا لأهمية مكانته العلمية، فقد أقامت ادارة مجلة الزيتونة بتونس تأبينا له بجامع الزيتونة، تحدّث فيه العديد من الشخصيات العلمية التي عرفته من شيوخ وزملاء.

وكان مِن جملة المتحدثين في ذلك الجمع العلمي، شيخُه السابق في جامع الزيتونة الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي الذي ذكر مناقبه ومكانته العلمية ودوره الريادي في نهضة الشمال الافريقي، وكان مما جاء في تلك الكلمة ما يلي: … فقد جاهد في الاصلاح بلسانه وقلمه، وبرز في الميادين كمصلح عظيم وداعية خطير ومؤلف تاريخي واجتماعي من خيرة المؤلفين وأصدقهم قولا وأنفعهم تأليفا، ومن أَقْدَر الكُتّاب وأبلغهم حجة. بعيدٌ عن الاصطناع والأقاويل الزائفة، لا تأخذه هوادة في الاصداع بما يمليه عليه وجدانه، شديدٌ في المقاومة والمناضلة والمناظرة، شديدُ التأثر بآراء الشيخ بن تيمية، مُؤمِنٌ برجاحة مذهبه

وقد خسرت الأمة بوفاة الشيخ مبارك الميلي، واحدا من أبرز رجالها وأعلامها الذين أحسنوا حمل الرسالة وأداء الأمانة والواجبات من غير كلٍّ أو مَلَل. ولقد أحسن مَلِكُ اللغة العربية في العصر الحديث الشيخ محمد البشير الابراهيمي، وصفَ أبعاد الفراغ الذي ترتب عن وفاته، وآثار ذلك علي أصعدة مختلفة ومجالات متعددة، حيث أجملَها ببيانه ـ في الذكري الثالثة لوفاته ـ فيما يلي مبارك الميلي الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين ففقدت بفقده مؤرّخها الحريص علي تجلية تاريخها المغمور، وانارة جوانبه المظلمة، ووصل عراه المنفصمة، وفقدته المحافلُ الاصلاحية ففقدت منه عالماً بالسلفية الحقة عاملا بها، صحيح الادراك لفقه الكتاب والسنة … وفقدته دواوين الكتابة ففقدت كاتبا فحلَ الأسلوب جزل العبارة لبقاً بتوزيع الألفاظ علي المعاني … وفقدته مجالسُ النظر والرأي ففقدت مدرهاً لا يُباري في سوق الحجة وحضور البديهة وسداد الرمية والصلابة في الحق والوقوف عند حدوده. وفقدته جمعيةُ العلماء ففقدت ركنا باذخاً من أركانها لا كلاً ولا وكلاً، بل نهاضاً بالعبء مضطلعا بما حمل من واجب، لا تُؤتَي الجمعية من الثغر الذي تكل اليه سدّه ولا تخشي الخصم الذي تسند اليه مراسه. وفقدت بفقده عَلَماً كانت تستضيئ برأيه في المشكلات، فلا يري الرأي في معضلة الا جاء مثل فلق الصبح.

فرحم الله الشيخ مبارك الميلي رحمة واسعة.

24/04/2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.