الحرب تلقي بظلها الطويل على باريس «1-2»: «لوموند» تفتح ملف تعذيب الجزائريين مجدداً عبر شهادات مروعة

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

ديسمبر 9, 2002
بقلم: آدم شاتز _ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك ريفيير أوف بوكس»
البيان الإماراتية | الإثنين 09 ديسمبر 2002

في خريف 1957 وقعت لويزة إغيل أحريز، المناضلة التي كان عمرها آنذاك 20 عاما في صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائري، وهي الحركة المقاومة للاستعمار الفرنسي، في اسر قوات المظليين الفرنسيين عند مشارف العاصمة الجزائر وعلى الرغم من جراحها الشديدة التي تعرضت لها في اشتباك سبق اعتقالها ارسلت إغيل أحريز التي اصبحت الان اختصاصية نفسية وجدة لثلاثة احفاد الى السجن في العاصمة الجزائرية حيث تعرضت لهتك العرض والتعذيب المتكررين، قبل ان يعمل طبيب عسكري فرنسي على انقاذها بعد ان عثر عليها ملقاة وسط قذارات السجن.

وفي صيف 2000 تحدثت إغيل أحريز عن تعذيبها في السجن، لأول مرة، حينما التقتها فلورانس بيج مراسلة صحيفة «لوموند» في الجزائر ونتيجة لهذا الحوار الذي نشر على الصفحة الاولى في الصحيفة الفرنسية اصبحت إغيل أحريز الشرارة التي أطلقت جدلا واسعا حول تركة الحرب الفرنسية الجزائرية هذه وهو جدل فرنسي في معظمه، لكنه اخذ ايضا يترك أثره العميق على الجانب الاخر من البحر المتوسط.

كانت شهادة إغيل أحريز قوية على نحو خاص نتيجة لوضع من ادلت بها فالدارسة لأعمال فيكتور هوغو والمتحدثة الطلقة بالفرنسية تتمتع بأشياء اكثر تجمعها مع الفرنسيين المعاصرين مما يجمعها مع التيار المتشدد في الجزائر، كما ان ما جعل ذلك الحوار الصحافي ذا اثر عميق، على وجه الخصوص، هو انها كانت تتحدث لا بدافع الغضب ممن سجنوها بقدر ما هو بدافع الامتنان للطبيب الذي انقذها وقالت لبيج انها خرجت عن صمتها على امل العثور على الطبيب فرانسيس ريشو «توفي عام 1997» وفي الوقت نفسه لم تتردد ا إغيل أحريز في فضح هويات الضباط الذين حضروا تعذيبها وكان ابرزهم جاك ماسو، قائد الفرقة العاشرة في قوات المظليين الفرنسيين واحد الحلفاء الموثوقين للرئيس الفرنسي شارل ديغول واتهامها له اثار لغطا كبيرا جدا.

ماسو، الجنرال المعروف البالغ من العمر وقت فضح هويته 94 عاما كان قد اعترف منذ زمن باستخدام الجيش الفرنسي للتعذيب في الجزائر وكان رده على ا إغيل أحريز هادئا على نحو ملحوظ، فمع انه قال انه لا يتذكر انه شهد تعذيبها، الا انه قال ان شهادتها ذات مصداقية وانه كان يعرف الطبيب الذي تحدثت عنه واضاف في حديثه لـ «لوموند» «التعذيب ليس شيئا اساسيا لا غنى عنه في وقت الحرب، ويستطيع المرء ان يتابع عمله بدونه، حينما اتذكر ما حدث في الجزائر فإنني اشعر بالحزن، كان بمقدورنا ان نتدبر امورنا بطريقة مختلفة» غير ان رفاق ماسو كان ردهم شرسا، الجنرال مارسيل بيغارد الذي اتهمته إغيل أحريز بالتعذيب والذي يقال انه كان يلقي بالسجناء الجزائريين من الطائرات المروحية اثناء الحرب، وصف ما قالته بأنه «نسيج من الاكاذيب» غير ان اكثر الردود نارية اتى من بول أوساريس، الجنرال المغمور البالغ من العمر «84 عاما»، وذلك في مقابلة مع «لوموند» في خريف 2000.

أوساريس كان جنديا في قوات فرنسا الحرة بقيادة ديغول وقدم للمقاومة الفرنسية كعميل سري في الحرب العالمية الثانية كما هبط بمظلة فوق الاراضي الالمانية عام 1954 وهو يرتدي بزة جندي الماني وخلال الحرب التي خاضتها فرنسا في الهند الصينية كان يقوم بعمليات خاصة خلف خطوط قوات فييت مينه، وفي عام 1955 ارسل أوساريس الى محافظة قسنطينة الجزائرية بعد شهور من اندلاع الثورة الجزائرية، وهناك اصبح الذراع اليمنى لماسو في العام التالي خلال ما سمي بمعركة الجزائر التي بدأت بسلسلة من التفجيرات قامت بها الجبهة الوطنية الجزائرية في القسم الاوروبي من العاصمة.

في حواره مع صحيفة «لوموند» دافع أوساريس عن استخدام التعذيب واعترف بتنفيذ اعدامات سرية واغتيالات سياسية رتبت في معظمها لتبدو انتحارا وفي مذكراته التي نشرها في ربيع 2001 بعنوان «القوات الخاصة: الجزائر 1955 ـ 1977» والذي نشر لاحقا بالإنجليزية تحت عنوان «معركة القصبة» ويكتب عن مآثره بأسلوب تمجيدي، وبتفاصيل مخيفة غالبا، وأوساريس مهتم جدا في كتابه بأن يسند اليه شرف تحقيق «الانتصار» الفرنسي في القصبة، لكن هذا الشرف كما يعترف، ليس له وحده، فكما يشير هو فإن كل الاحزاب الرئيسية الفرنسية دعمت هذه الحرب، بمن فيهم الشيوعيون فبعيدا عن ان يكونوا اولئك «اليقظين للتجاوزات» كما ادعت الطبقة السياسية الفرنسية طويلا كان التعذيب وغيره من جرائم الحرب الاخرى منتشرا جدا وينفذ بشكل منهجي ويحظى بموافقة الحكومة الفرنسية على نطاق واسع، حيث حصلت هذه الحكومة على صلاحيات خاصة خلال اقتراع برلماني سري اجري عام 1956 ويقول أوساريس انه كان يرسل تقاريره الى القاضي جان بيرنارد، وهو المبعوث الخاص لفرانسوا ميتران الذي كان حينها وزير العدل في حكومة جي موليه وهو يقول ان بيرارو «كان يغطي افعالنا.. كانت لي علاقة ممتازة معه من دون ان اضطر لإخفاء شيء عنه».

ويقول أوساريس على الرغم من كونه معارضا لاستخدام التعذيب في البداية، الا انه اقتنع بسرعة بفائدة استخدامه فبعد وقت قصير من وصوله الى قسنطينة قال له الشرطي انه يستطيع ان يختار بين «تعذيب ارهابي مشتبه او القول لوالدي الضحية ان من الافضل السماح بموت العشرات من الابرياء، بدلا من جعل انسان واحد يشكو، هذا الحوار الغى نهائيا اي شكوك كانت في نفسي»، ثم اتت عملية جبهة التحرير الجزائرية في 20/8/1955 اذ في فيليبفيل وبعض البلدات الاخرى، شن المقاتلون الجزائريون هجومهم بالسكاكين على الناس في سياراتهم فقتلوا 71 اوروبيا و 52 من الجزائريين «الخونة» ويقول أوساريس: «حينما رأيت الرقاب المقطوعة والاحشاء المنزوعة نسيت اي معنى للرأفة».

غير ان القمع الوحشي الفرنسي الذي أعقب ذلك لم يفلح الا في تصليب المقاومة الجزائرية، فقد اعتقل أوساريس وقواته مئة جزائري وأعدموهم رميا بالرصاص في الميدان، ولم ينته الاسبوع حتى كان أكثر من ألف جزائري معظمهم من المدنيين قتلوا بشكل اوصل الامور حسب قول المناضل المارتنيكي فرانز فانون الى «نقطة اللاعودة».

عن هذه النقطة أصبح امامنا العنف الذي تمارسه جبهة التحرير والعنف المضاد من جانب قوات الاحتلال الفرنسي غير ان الليبراليين الفرنسيين نادرا ما تطلعوا الى الاول وربما هو ما كان المسافة التي وضعوها بينهم وبين الحرب في الجزائر.

في اوائل هذا العام وقع 12 مفكرا يساريا بارزا عريضة تطالب بتقديم بيان رسمي من الحكومة الفرنسية عن التعذيب بشكل مشابه للاعتذار الذي قدمه الرئيس الفرنسي جاك شيراك عام 1995 لليهود الفرنسيين استطاعت ان تحصل على توقيع الالوف من المؤيدين للفكرة وبسرعة واصبح «بيان الاثنى عشر» مادة مقالات صحافية متعاطفة في كل درجات الطيف السياسي من «لوموند» وحتى «لوفيغارو» ومعظم استطلاعات الرأي اشارت الى ان غالبية الفرنسيين خصوصا اولئك المولودين بعد الحرب العالمية الثانية يؤيدون اتخاذ اجراءات قانونية ضد الضباط الفرنسي الذين اعطوا الاوامر بالتعذيب.

في مقال بعنوان «الجزائر بعد فيشي» شبهت صحيفة «لوموند» إثر اعترافات أوساريس بتلك التي كانت لعمل مارسيل أوفول الوثائقي عام 1971 «الحزن والأسى» الذي دفع الفرنسيين لمواجهة التاريخ القذر من التآمر في عهد الجنرال بيتان هذا فيما يقول جان دانييل المولود في الجزائر ومدير صحيفة «لونوفيل اوبزرفاتور» ان الجرائم الفرنسية يمكن فهمها بشكل أفضل على خلفية العنف الذي ارتكبته جبهة التحرير الجزائرية ضد المستوطنين الفرنسيين المعروفين باسم «الكولون» غير انه كان الصوت الوحيد الذي يغرد خارج السرب.

لماذا كان لاعترافات أوساريس هذا الاثر الدرامي؟ ان التعذيب الفرنسي في الجزائر ليس بالشيء الجديد فهناك صحافيون مثل كلود بورديه قد كشفوا استخدام التعذيب منذ الايام الاولى للحرب، وفي عام 1960 بيعت من كتاب «السؤال» للصحافي هنري آليه الذي تحدث فيه عن التعذيب الذي تعرض له هو بيعت منه 60 الف نسخة في اليوم الاول من طرحه في المكتبات قبل ان تحظره الشرطة الفرنسية في اليوم التالي، لم يكن أوساريس يخبر الفرنسيين شيئا يستطيعون الزعم بأنه كان محجوبا عنهم، غير ان جرأته اجبرت الفرنسيين على مواجهة حقائق مزعجة بخصوص «رسالتهم الحضارية في الجزائر»، وكانت القصة التي عرضها عليهم تطرح مفارقة مربكة هي ان الرجل الذي دافع عن شرف فرنسا خلال ايام الاحتلال النازي قد مرغه بالوحل في حرب استعمارية قذرة، بهذه المواصفات وبالرباط الذي يصنعه على احدى عينيه اصبح أوساريس مادة لا يستطيع رسامو الكاريكاتير ان يتجاهلوها. اضف لذلك ان لهجة أوساريس لم تكن بعيدة عن الاسف فحسب بل كانت مفعمة بالتحدي ايضا، وكأنه كان يستفز المؤسسة السياسية الفرنسية لتقدم وتحاول معاقبته لانه يعرف انها لن تفعل ذلك، لقد تحدث وهو يعرف الحماية التي يوفرها قانونا العفو لعام 1962 و1968 اللذان يمنعان محاكمة قدامى المحاربين في الجزائر بتهم جرائم حرب «ديغول فرض عفو 1962 بمرسوم رئاسي كإجراء استباقي لحوار برلماني كان يمكن ان يحرم امثال أوساريس من الحصانة» وقد حاول الاتحاد العالمي لحقوق الانسان ان يرفع دعوى قضائية ضد أوساريس لكن من دون جدوى مما دفع محرري «لوموند» الى التساؤل كيف نستطيع مقاضاة موريس بابون وجرائم مكتبه وان نرفض مقاضاة الجرائم التي لاتقل عنها شأنا وارتكبها الجنرال «أوساريس؟» وفي اواخر يناير الماضي قضت محكمة على أوساريس بدفع غرامة مقدارها 6500 دولار نتيجة «تبرير جرائم الحرب» في حكم تافه جدا لم يفلح الا في ترسيخ حقيقة ان افعاله لن تجد العقوبة عليها وان فرنسا غير مهتمة الا قليلا بنبش ماضيها.

بدأت حرب الاستقلال الجزائرية فجر 1 نوفمبر 1954 حينما نفذت جبهة التحرير الجزائرية سلسلة من الهجمات ادت لمقتل تسعة اشخاص و انتهت في 19 مارس 1962 بتوقيع اتفاقية افيان بين فرنسا والحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر، حكومة المنفى المشكلة من جبهة التحرير، كانت هذه الحرب وحشية على نحو مذهل حتى وفق اغلظ معايير الحرب الاستعمارية الدموية سقط في هذه الحرب حوالي 300 الف قتيل جزائري «تقديرات الحكومة الجزائرية تتجاوز المليون شهيد» كما ان مئات الالوف منهم تعرضوا للتعذيب، اكثر من مليوني جزائري اجبروا على الرحيل عن ديارهم والكثير منهم تم تجميعهم في «مراكز ايواء» تحيط بها الاسلاك الشائكة، حملة القمع الفرنسية ادت لتدمير 8 الاف قرية جزائرية حوالي 24 الف جندي جزائري فقدوا كما ان عدة الوف من الفرنسيين المقيمين في الجزائر قتلوا في اعمال العنف، وحينما انتهت الحرب قتلت قوات جبهة التحرير ألوفا من «الحركيين» وهم الجنود الجزائريون الذين كانوا يقاتلون في وحدات دعم متحركة الى جانب الفرنسيين.

تسببت الحرب في انقسامات عميقة داخل فرنسا نفسها، مما مهد الطريق لانهيار الجمهورية الرابعة، ودفع فرنسا بشكل جوهري فعلا نحو حافة الحرب الاهلية، المفكرون على اليسار نظروا الى «المتطرفين» اي المتشددين من المستوطنين اليمينيين باعتبارهم فاشيين من انتاج فرنسي داخلي وبعضهم عرض خدماته على المقاومة الجزائرية فرانسيز جانسون وهو تربية جان بول سارتر انشأ شبكة «حملة الحقائب» التي ضمت الوف الرجال والنساء الذين كانوا يقومون بغسيل الاموال لصالح الجبهة ومثلما جادل الصحفيان باتريك روتمان وهيرفيه هارمون في كتابهما عن خلية جانسون هذه فإن معظم «حملة الحقائب» كانوا يعتقدون انهم بدعمهم للمقاومة الجزائرية انما يعززون قيم الجمهورية الفرنسية ومناهضة الفاشية، وكان جانسون يأمل بأن يؤدي انتصار الثورة الجزائرية لتفجير ثورة اشتراكية في فرنسا نفسها، اما سارتر، الذي بقي مهادنا نسبيا طوال ايام الاحتلال الالماني، فأصبح يشعر بالإثارة على نحو متزايد بسبب الثورة الجزائرية التي اعطته، حسب ما يقول المؤرخ بنيامين ستورا «تعويضا نفسيا عن غياب النظرات الثورية في فرنسا»، وفي مقدمته لكتاب فانون «معذبو الارض» يخرج سارتر بتبرير خطير ومغر للإرهاب «ان تطلق النار على اوروبي وتقتله فهذا يعني انك تصيب عصفورين بحجر واحد: ان تقضي على الاضطهاد، والرجل الذي يمارس الاضطهاد».

الكاتب الفرنسي جزائري المولد البير كامو، الذي لاتزال امه تعيش في وهران، ادان بمرارة رومانسية المفكرين حول جبهة التحرير، وقال: «انا اؤمن بالعدالة، لكني سأدافع عن امي قبل ان ادافع عن العدالة»، وبخلاف سارتر، فقد قاتل كامو فعلا في صفوف المقاومة الفرنسية للاحتلال الالماني وباعتباره نشأ وسط الفقر في وهران فقد عرف اكثر بكثير عن الجزائر مما عرفه فيلسوف الالتزام وفيما حذر كامو عبثا وبدقة في ان واحد من الاهداف السلطوية لجبهة التحرير فإنه قال ان الامل الوحيد للجزائر يكمن في مصالحة فرنسية ـ اسلامية، وقد جاهد للحفاظ على موقف انساني، وادان العنف من الجانبين، ووظف علاقاته الجيدة لإنقاذ عدد من الوطنيين الجزائريين في المعتقلات الفرنسية، وفي يناير 1956 دعا لإنجاز «هدنة اهلية تلتزم فيها الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير الجزائرية باستهداف اهداف عسكرية حصرا، غير ان أيا من الجانبين لم ينصت، كما اطلق كامو عده بيانات علنية اخرى بهذا الخصوص قبل وفاته بعد ذلك بأربع سنوات.

غير ان كامو كان ابعد ما يكون عن الحياد، حسب ما يقول جيمس لوسيوير، في كتابه «حرب غير مدنية» وهو دراسة مستنيرة حول ردة فعل الطبقة الفكرية الفرنسية على تلك الحرب، فانتقاداته لفظائع الجيش الفرنسي اصبحت اخفت مع الوقت، كما انه لم يتقبل بالكامل ابدا الطموحات الوطنية للجزائريين فيما اصر على ان الوطنية الجزائرية نابعة «بالكامل من العاطفة»، وفي الاوساط الخاصة المغلقة كان كامو يواصل تسمية الحرب الفرنسية شكلا من اشكال الدفاع عن النفس ومعارضة التفاوض مع جبهة التحرير الجزائرية، وشأن الحكومة الفرنسية كان كامو ينتظر ظهور قوة ثالثة في الجزائر تستطيع فرنسا معها ان تتفاوض حول تسوية تضمن مصالح الاقلية الاوروبية في الجزائر.

لكن مثلما عرف المراقبون الأهدأ اعصابا مثل ريمون ارون، كانت توجد قوة ثالثة، ففي كتابه «المأساة الجزائرية» الصادر عام 1957 نراه يقول انه لا يوجد اي بديل عقلاني لانسحاب فرنسي من الجزائر، وديغول الذي تسلم الرئاسة الفرنسية عام 1958 وهو يعد بعدم التخلي عن الجزائر وصل ايضا لهذه النتيجة لكن بعد تجريب كل الخيارات البديلة المتاحة وقراره بالانسحاب حرر فرنسا مما اسماه أرون «نزيف الجزائر» ومنع حرباً اهلية، غير انه خلف وراءه ايضا تركة سياسة سيئة، خصوصا بين اكثر من مليون جزائري اوروبي هربوا الى فرنسا، وهؤلاء الذين لم يعرف معظمهم وطنا سوى الجزائر اتوا الى فرنسا وفي حلوقهم طعم الخيانة، وهو الطعم الذي احسه الكثير من الجنود الفرنسيين الذين حاربوا في الجزائر، وفي اغسطس 1962 كادت منظمة الجيش السري المكونة من اوروبيين عائدين وجنرالات فرنسيين من الذين لم يسامحوا ديغول على تركهم لمصيرهم والجلاء عن الجزائر كادت ان تنجح في اغتيال ديغول.

ولاتزال هذه الحرب تطلق اصداءها في فرنسا حتى اليوم، والان هناك حوالي مليون ونصف مليون فرنسي ممن حاربوا في الجزائر من بينهم الرئيس جاك شيراك نفسه، وحوالي ربع هؤلاء يعتبرون وفق تقارير وزارة الصحة الفرنسية ممن يعانون ازمة نفسية، وفي العقدين الاخيرين اصبح هناك ملايين من المهاجرين من شمال افريقيا ممن جعلوا فرنسا وطنهم، الكثير من هؤلاء يعيشون في احياء فقيرة اخذ التشدد يتنامى فيها، وطوال الحرب والى اخر يوم فيها كان ديغول يقول لمواطنيه انه سيمنح الجزائريين الاستقلال او التكامل التام مع الجمهورية الفرنسية ومع ان الخيار الاول كان مأسوفا عليه، فإن الثاني كان غير قابل للتفكير به نهائيا، ومع ان ديغول استطاع ان يخلص فرنسا من المشكلة الجزائرية، لكن مخاوفه من الهجرة العربية تحققت واليمين الفرنسي المتطرف الذي يقوده جان ماري لوبان الذي يقال انه كان يعذب المشتبه بهم في الجزائر عام 1957، اخذ يتغذى على العنصرية المعادية للعرب والى حد ادنى على الحنين للجزائر الفرنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.