الحرب تلقي بظلها الطويل على باريس «2ـ2»: لماذا انتظر البرلمان الفرنسي حتى عام 1999 ليعترف بالواقع التاريخي؟

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

ديسمبر 10, 2002
بقلم: آدم شاتز  | ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك ريفيير أوف بوكس»
البيان الإماراتية | الثلاثاء 10 ديسمبر 2002

يقول بنيامين ستورا ان الحرب في الجزائر كانت «الشرخ المحوري في فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية». غير ان البرلمان الفرنسي احتاج حتى عام 1999 لمجرد الاعتراف بأنه كانت هناك حرب دائرة في الجزائر اصلاً. اذ ان الحكومة الفرنسية دأبت على المجادلة بأن الجزائر، بخلاف تونس والمغرب اللتين اصبحتا دولتين مستقلتين عام 1956 بعد شرخ ضئيل نسبياً، كانت جزءاً من فرنسا، وقسمت إلى ثلاث ادارات والحقت بفرنسا عام 1848.

وطوال سبع سنوات ونصف السنة من الحرب ظلت الحكومة الفرنسية مصرة على القول إنها كانت تنفذ «عملية لفرض النظام» وأن جبهة التحرير الجزائرية لم تكن مجموعة من المقاتلين المدافعين عن الحق الوطني وانما مجموعة «خارجين على القانون» وبعد هزيمة فرنسا في حرب الاستقلال الجزائرية هذه، أصبح يشار إلى هذه الحرب بأنها «حرب بدون اسم» او حتى بقدر أكبر من المواربة كالقول: «الاحداث». وحينما قرر اعضاء البرلمان الفرنسي، اخيراً، اعلانها حرباً عام 1999، فعلوا ذلك بتصويت سري صامت، وتجنبوا قول اي شيء أكثر من ذلك.

كانت حرب الجزائر تثير في فرنسا دائماً ذلك النوع من الاتصالات العاطفية التي تجعل من اي تحقيق تاريخي متزن في تفاصيله امراً مستحيلاً.

ولهذا ليس من المستغرب ان الدراسة الوحيدة المتوازنة لمجريات الحرب قد قام بها صحافي انجليزي هو اليستير هورن، الذي لا يزال عمله الفريد والمتميز «الحرب الشرسة وقت السلم» الذي نشره عام 1977، كتاباً لا قرين له في اللغة الفرنسية وذلك من أصل ثلاثة آلاف كتاب وخمسين فلماً سينمائياً و20 عملاً وثائقياً انتجت في فرنسا، كان معظمها متميزاً بشكل مفرط. غير ان السنوات الاخيرة شهدت تجميع هيئة عمل جديدة ومتميزة من المؤرخين الفرنسيين الشباب ولد العديد منهم بعد الحرب.

وعملهم البحثي الأكاديمي هذا وجد مكملاً له بدراسات مهمة قام بها محمد حربي، وهو منشق جزائري يعيش في المنفى عمل على اخضاع السرد البطولي الذي قدمته جبهة التحرير الوطنية الجزائرية عن حرب الاستقلال لنقد عميق. اما الاثر الصرف لهذا العمل الأكاديمي فهو كشف التعقيد الكبير الذي تميزت به هذه الحرب. اذ بالنسبة للفرنسيين فإن حرب الجزائر انما هي ثلاث حروب: حرب اهلية بين جبهة التحرير الوطنية والمجموعات الوطنية المنافسة لها وحرب عصابات بين جبهة التحرير والجيش الفرنسي وحرب سياسية بين الفرنسيين أنفسهم.

وقد نشر محمد حربي وهو مستشار سابق لأول رئيس جمهورية جزائري أحمد بن بيلا مجموعة من الكتب المتميزة حول جبهة التحرير الوطنية منذ آواخر السبعينيات واخرها هو مذكرات.

وقد زعزع حربي الفكرة التي صاغها فرانز فانون وحولتها جبهة التحرير الوطنية إلى مبدأ ثابت والقائلة بأن حرب الاستقلال كانت انتفاضة جماهيرية. بل كانت «العفوية الثورية» لابناء الريف أكثر بقليل من مجرد اسطورة والعنف كان المحرك للثورة اي كانت حركة من القمة للقاعدة كان الفقراء ضمنها سلبيين إلى حد كبير. وقيادة جبهة التحرير الجزائرية التي غالباً ما اكتسبت رومانسية باعتبارها «صوت الجماهير العربية» هذه القيادة كانت في معظمها من بيوتات الطبقة الوسطى التي كانت فيها الفرنسية لغة دارجة غالباً.

ومعظم هؤلاء كانوا اعضاء في حركة انتصار الديمقراطية الليبرالية وهي جماعة نادت بالاستقلال قادها مصالي الحاج وهو الاب المؤسس للوطنية الجزائرية، والذي ناصب لاحقاً جبهة التحرير الوطنية الجزائرية العداء. وكان هؤلاء شباناً متسرعين ومتلهفين للعمل سواء كانت الظروف مواتية للقيام بثورة ام لا ـ وهذه الظروف في خريف 1954 لم تكون مواتية. اذ مع ان المؤرخين متعاطفون مع قرار جبهة التحرير الوطنية فإن من أعلنوا العصيان المسلح في البداية كانوا يمثلون اقلية بين مسلمي الجزائر.

يقول محمد حربي: «نظراً لكون قادة جبهة التحرير الوطنية الجزائرية ما كانوا لحظة ظهورهم على مسرح الاحداث يحظون بدعم حركة جماهيرية حقيقية وديناميكية، فإنهم حصلوا على قيادة الحركة بالقوة وحافظوا عليها بالقوة. ولاقتناعهم بضرورة العمل بكل عزم من اجل حماية أنفسهم من اعدائهم، فقد اختاروا متعمدين الطريق التسلطية». وفي السنوات الاولى للحرب، كانت الاغلبية الكبرى من ضحايا اعمال جبهة التحرير الوطنية هم من اهالي الارياف الجزائريين الذين لم ينساقوا وراءها او الذين اعطوا ولاءهم، لأجنحة اخرى في الحركة الوطنية الجزائرية، وهي مجموعة وطنية منافسة اسسها حاج مسالي في ديسمبر 1954.

والحرب بين جبهة التحرير الوطنية والحركة الوطنية الجزائرية ـ وهو صراع على السلطة وليس المبادئ ـ بدأت في الجزائر الا انها سرعان ما امتدت إلى فرنسا حيث تنافست المجموعتان على كسب التأييد في صفوف 400 الف مهاجر جزائري هناك بخصوص «ضرائب» من يجب ان تفرض دعماً لحربهم في الوطن.

جبهة التحرير الوطنية انتصرت بهذه المواجهة، لكن بعد ان قتلت الآلاف من الاجنحة الاخرى في الحركة الوطنية. وأكثر الاحداث دموية في هذه الحرب الاهلية كانت في بلدة ميلوزا وهي معقل للحركة الوطنية حيث قتلت قوات جبهة التحرير الوطنية بقيادة سعيد محمدي 303 مدنيين.

ومع ان جبهة التحرير اتهمت الجيش الفرنسي بارتكاب المذبحة، الا ان محمدي وفي برنامج «حوليات جزائرية» التلفزيوني الوثائقي الذي بثه التلفزيونان الفرنسي والجزائري اعترف بارتكابها: «اول اعدائنا لم يكونوا الجنود الفرنسيين، بل كانوا الخونة في صفوفنا».

العنف ضد المدنيين الفرنسيين تنامى جزئياً نتيجة ضعف جبهة التحرير الوطنية بين اوساط انصارها المفترضين بين العامة. واعمال العنف مثل تفجير ميلك بار في العاصمة الجزائر، وهو الذي حفظه في الذاكرة المخرج الايطالي غيلو بونتيكورفو في فيلمه «معركة الجزائر» عام 1965، كانت مصممة بحيث تثير رد فعل عنيفة جداً وغير متوازنة من جانب الحكم الفرنسي لكشف وجهه الحقيقي امام الجزائريين ودفعهم نحو حومة جبهة التحرير الوطنية. وبهذا المعيار كان العنف ناجحاً فعلاً.

غير ان العنف كشف ايضاً شراسة جبهة التحرير وهي الصفة التي لازمتها حينما حكمت البلاد بعد نيل الاستقلال. ومثلما يشير محمد حربي، فإن العديد من قواعد استراتيجية جبهة التحرير ـ وهي عسكرة السياسة وتوظيف الاسلام وسيلة دعائية وتمجيد الجهاد ـ قد انقلبت لاحقاً على الدولة الجزائرية العلمانية على يد الاسلاميين من ابناء الاستقلال خلال حرب الاخوة الاهلية الدائرة منذ اوائل التسعينيات.

وتفتح مذكرات محمد حربي نافذة مثيرة على الصراعات العنيفة التي اضعفت قيادة جبهة التحرير. فمعظم هذه الصراعات وعلى الرغم من تصنعها بخطابية الجدال الثوري النبيل، كانت ترتكز على الولاءات القبلية وتعكس التوترات القائمة بين العرب والبربر او بين التكتلات المتنابذة. وأكثر أمثلة هذا الصراع بشاعة تمثلت باغتيال رمضان عبان في ديسمبر 1957. فعبان وهو مهندس معركة الجزائر العاصمة ومن بربر القبائل، اثار عليه غضبة «قوى الخارج» المؤلفة من مقاتلي جبهة التحرير وبيروقراطيها الموجودين في تونس ويتزعمهم هواري بومدين ـ بإصراره على ان يكون زمام حرب الاستقلال بيد «الداخل 8» اي القوى السياسية داخل الجزائر. وقد تم استدراج ابين إلى المغرب وهناك قتل شنقاً لتمهيد الطريق امام استيلاء العسكر على السلطة.

ووصل عنف جبهة التحرير ذروته المرعبة بعد الحرب، حين ذبح عشرات الآلاف من الجنود الحركيين وعائلاتهم. بعض هؤلاء الحركيين كان يلف بالعلم الفرنسي وينقع بالبنزين ويحرق حياً. اما أكثر المشاركين في اعمال التطهير هذه تعطشاً فكانوا هم من يسمون «المرسيين»، وهم الجزائريون الذين انتظروا حتى مارس 1962 ليرموا بأنفسهم في جانب جبهة التحرير، والذين كانوا انفسهم اكثر الاطراف عرضة للاتهام بالعمالة لفرنسا. وقبل ان ينسحب الجنود الفرنسيون من الجزائر في يوليو شهدوا تلك المذبحة لكنهم كانوا يلتزمون بأوامر صارمة بعدم التدخل. اما القلائل من الحركيين الذين نجحوا في الهرب إلى فرنسا فقد اقاموا في مجمعات سكنية معزولة ومعسكرات مهلهلة اصبحت لاحقاً في السبعينيات بؤراً للسخط الاجتماعي واعمال الشغب.

ويشير المؤرخ مهند حمومو، وهو ابن لحركي، إلى ان المصير المرعب الذي لقيه هؤلاء الجنود المتطوعون قد قوبل بالصمت والتجاهل من الجانبين. وكان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في اول زيارة له إلى فرنسا قد رفض لقاء ممثلي الحركيين واصفاً اياهم بالعملاء.

وفي العام الماضي، ترأس جاك شيراك «يوم تكريم وطني» للحركيين، غير ان هذا التكريم وعلى نحو لافت لم يتضمن اي اعتذار لهم.

لكن السؤال هو: ما الذي جعل أكثر العناصر راديكالية والقوى غير المهادنة ابداً تكتسب السلطة على مسيرة حرب الاستقلال الجزائرية مع انه لم يكن هناك نقص في الجزائريين المعتدلين. قبل الحرب كان معظم المسلمين المستوعبين ضمن النظام يفضلون المواطنة الفرنسية أو الحكم الذاتي ضمن اتحاد فيدرالي مع فرنسا، بدلاً من السيادة الكاملة. يقول عباس فرحات أحد قادة هؤلاء عام 1936: «لن أموت من اجل وطنية جزائرية لأنها غير موجودة». غير أن الجماعة التي برزت لتناهض الحكم الفرنسي تبين انها أكثر عداء لفرنسا وأكثر عنفاً وسلطوية من الاحزاب التي قادت كلاً من المغرب وتونس الى استقلالها.

وكانت جملة جبهة التحرير للقضاء على اي منافس لها، كانت جزئياً وراء نجاحها ـ لكن جزئيا فقط. وكان للفرنسيين دور مساو في ذلك أيضا. اذ تقول الباحثة الفرنسية رافائيل برانش في دراستها «الجيش الفرنسي والتعذيب في الجزائر 1954 ـ 1962» التي قامت بها لكشف ممارسة الجيش الفرنسي للتعذيب، تقول ان جبهة التحرير تدين بولادتها وبمعظم جاذبيتها بين انصارها لتاريخ من القهر بالعنف والتفرقة العنصرية والغطرسة الاستعمارية قام الفرنسيون خلاله بوحشية بقمع اي تحرك لوطنية اصيلة في البلاد.

أرسل الامبراطور الفرنسي شارلز الخامس جيشه الى الجزائر عام 1930 بحجة الانتقام من اهانة تعرض لها قبل ذلك بثلاث سنوات حينما ضرب الداي حسين الحاكم العثماني للجزائر القنصل الفرنسي العام في الجزائر بمذبة للذباب، خلال جدل دار بينهما حول ثمن شحنات قمح جزائري لفرنسا. وحدث اول تحد للحكم الفرنسي عام 1832 قاده شاب اسمه عبد القادر الجزائري، غير ان النصيحة التي قدمها توكفيل للجيش الفرنسي هي تطبيق سياسة «الارض المحروقة» والتي نجحت في القضاء على الحركة الجهادية بقيادة عبدالقادر عبر تدمير المواسم الزراعية وطرد العائلات وتدمير قرى بأكملها، إلى أن استسلم عبدالقادر بعد 15 عاماً من المقاومة. وفي عام 1871، اندلعت ثورة مسلحة اخرى قادها أحد بربر القبائل واسمه مقراني. وكان الرد الفرنسي مصادرة كل الأراضي الخصبة في منطقة القبائل مما اوقع الاهالي في فقر مدقع.

ومن أجل «تهدئة» الجزائر، وجدت الحكومة الفرنسية انها بحاجة لاشغال الاراضي الجبلية الجزائرية التي تبلغ ثلاثة اضعاف مساحة فرنسا بمستوطنين اوروبيين استقدمت معظمهم من ايطاليا، وكورسيكا، واسبانيا، ومالطا. وأصبح هؤلاء الاوروبيون الذين وصل تعدادهم في الخمسينيات لما يجاوز مليون نسمة، يفكرون فعلاً بالجزائر باعتبارها وطنهم وبأنفسهم باعتبارهم جزائريين. ولم يكن هناك من بين «السمر» سواء أقلية ضئيلة جدا من ملاك الاراضي الكبيرة، ومعظم هؤلاء كانوا يعيشون حياة متواضعة شأن جيرانهم المسلمين الآخرين، في المقابل كان أفقر الاوروبيين يتمتعون بمزايا كبيرة بفضل جنسيتهم الفرنسية. وحتى يحصل الجزائري المسلم على الجنسية الفرنسية كان عليه اولا ان يتخلى رسميا عن كل حقوقه المدنية بمقتضى الشرع الاسلامي، في فعل مشابه جداً للردة عن الاسلام. غير أن بضعة آلاف قليلة منهم فعلت ذلك، بشكل غير مقصود لكن غير مكروه ايضا من وجهة النظر المصلحية لمعظم الاوروبيين.

وقد كانت هناك محاولات لاستيعاب المسلمين في الجمهورية الفرنسية، غير ان مقاومة «السمر» اجهضتها كلها مهما كانت درجة اعتدالها. ففي عام 1938 بديء بمشروع لمنح الجنسية وحقوق التصويت لواحد وعشرين ألفاً من النخبة المسلمة غير انه فشل. والانتخابات التي اجراها الفرنسيون في الجزائر عام 1948 – والتي كان صوت الاوروبي فيما يعدل ثمانية اصوات جزائرية بفعل الكلية الانتخابية المزدوجة – تم التلاعب فيها لحرمان الوطنيين الجزائريين من انتصارهم فيها. وفي عرض ممعن في تدمير الذات وقصر النظر، لم تكن هناك حكومة فرنسية واحدة لديها الرغبة الكافية او القدرة على تحديد هؤلاء المستوطنين الذين يمثلون كتلة انتخابية مهمة في فرنسا. وهذا الاختناق المتكرر لاي عملية اصلاحية اقنع معظم الجزائريين بان املهم الوحيد في الخلاص يكمن في الاستقلال.

قرار اللجوء للسلاح كان قد حسم بوقوع مذبحة سطيف في مايو 1945 ـ التي كانت الاصل الفعلي للحرب كما تقول آني ريفولدزيفر في كتابها الجديد «أصول حرب الجزائر»» فخلال احتفال الجزائريون بالنصر في مدينة سطيف قتل الوطنيون مئة من الحضور الاوروبيين بعد اندلاع الصدامات مع الشرطة. وفي الاسبوع التالي قتل الجنود الفرنسيون ما بين 5 و15 ألف جزائري. ما حدث في سطيف دق اسفينا دائماً بين الجانبين وقضى على رؤية النخبة الجزائرية لإصلاح سلمي وأدى لتشكيل المنظمة الخاصة، وهي اول مجموعة استقلالية مسلحة وسلف جبهة التحرير الوطنية.

وحينما تفجرت الحرب بعد ذلك بتسع سنوات بدأ الجيش الفرنسي يضرب بشدة متطرفة وبدون تمييز. فالعقوبات الجماعية كانت تتحلى بنظر الفرنسيين بميزة كاذبة وهي انها افلحت سابقاً. ومثلما تشير رافائيل برانش في كتابها «التعذيب والجيش» فإن الحملة ضد جبهة التحرير الوطنية كان من بين دوافعها ايضا المخاوف الامبراطورية الفرنسية، التي ولدتها الهزيمة الفرنسية في الهند الصينية، حيث كان يخدم كبار قاده الجيش الفرنسي قبل مجيئهم للجزائر، كما ان القوات المظلية الفرنسية تعرضت لمهانات ثقيلة الوقع في الهند الصينية وكانت مصممة على ابادة «فييت كونج» الجزائر. وهؤلاء استمدوا استراتيجيتهم القتالية من الكتاب الاحمر الصغير لماوتسي تونغ والمبدأ الثوري، بشكل يفسر جيداً كلمة ريجيه دوبريه بان «الثورة تحدث ثورة في اسلوب قمع الثورة. ومثلما تشير برانش فإن هؤلاء الرجال هم الذين اداروا الحرب في الجزائر: «كانت القضية حرباً تملي قانون أكثر منها قانون يحكم حرباً. كان الجنود الفرنيسون ينفذون الاوامر بطاعة عمياء. وإذا كان لدى بعضهم اي تردد فانه سرعان ما ذوي بمشاهد رفاقهم مقطوعي الرقاب.

نعم، فالبكاد انقضى عقد على هزيمة الفاشية، حتى كان الفرنسيون قد أرسوا نظاماً كبيراً للقمع تضمن معسكرات إبادة شبيهة بما كان لدى النازية، دخلها أكثر من مئة ألف جزائري. وخلال معركة الجزائر وحدها «اختفى» أكثر من 3000 مشتبه في مخافر الشرطة في الجزائر. وطوال هذه المرحلة احتفظت فرنسا بكل ما نصب امام ديمقراطيتها من أفخاخ ساخرة وكأن الحياة الديمقراطية كانت تذوي امام تقدم «غنفرينا» التعذيب. وفي كتابها «سقوط العدالة» الذي خصصته لدراسة النظام القضائي الفرنسي خلال حرب الجزائر، تقول سيلفي تينو ان حكومة الظل هذه قد ارتكزت على اسس من الاكاذيب والخداع ولم تتمكن من البقاء إلا عبر تخوين من يثير أي تساءل بخصوصها، كان القضاة الفرنسيون في الجزائر «يقومون بالدور الذي طلب منهم ان يقوموا به» السماح بالإجرام بحق العرب والمصادقة على إعدام السجناء الجزائريين.

وحين فرض القانون قيودا على الجيش الفرنسي، رفض الجيش تطبيق القانون. على سبيل المثال افتتح الجيش في ابريل 1955 أربع معسكرات اعتقال في تحدٍ سافر لخطر فرضه المشرع الفرنسي في الشهر نفسه. وفيما كان المعتدلون في السلك القضائي يحاولون مواجهة التآكل المتواصل للشرعية، فان محاولاتهم هذه كانت تواجه بدورها اجحافا متواصلا. وقد خصصت تينو فصلاً رائعاً في كتابها «لجان ريليكويه»، الحاكم العام للجزائر خلال معركة الجزائر فشأن أقرانه كان ريليكويه لا يريد خسارة الجزائر، غير أن عمليات التعذيب. كانت تؤرقه، واعتقد أنها تأتي بنتيجة عكسية. لهذا وفي اجتماع حضره الوزير الفرنسي المقم روبرت لاكوست في ابريل 1957، اقترح إغلاق مراكز التعذيب. غير أن لاكوست لم يكتف برفض الفكرة، بل اتهم ريليكويه بانه متآمر سراً مع جبهة التحرير الوطنية.

هو كان التعذيب مثمراً إذن؟ تعتقد برانش وتينو ان التعذيب مكن الفرنسيين من جمع المعلومات حول ضربات المقاومة المقبلة ومن تدمير البنية الاساسية لها في الجزائر العاصمة. والجنرال اوسارس ليس مخطئا حين زعم بأنه لم يكسب معركة الجزائر العاصمة إلا بعد ان رفض اي مطالبة بالالتزام بالأعراف القضائية في تعامله مع جبهة التحرير. غير ان وصف نتيجة المعركة بانها كانت نصراً في مواجهة العصيان يكشف عن قصور ملحوظ في النظرة التاريخية. فالتعذيب لم يفشل فحسب في قمع التطلعات الاستقلالية بين الجزائريين، بل هو زاد ايضا من شعبية جبهة التحرير مما ساهم في تحول طليعة صغيرة الى حزب ثوري يحظى بدعم جماهيري، وجعل من المستحيل ظهور قوة معتدلة زعمت الحكومة الفرنسية انها تسعى لحوار معها. نعم لقد افلحت التكتيكات الفرنسية في مساعدة جبهة التحرير بالانتصار على المعتدلين الجزائريين، مثل عباس فرحات الذي أصبح رئيس حكومة جبهة التحرير في المنفى. وإذا كان التعذيب يثير موجة ادانة عارمة في فرنسا اليوم ـ كما لم يحدث اثناء الحرب ـ فان هذا يعود في أحد ابعاده الى ان احداً لا يستطيع ان يدافع عنه باعتباره شرا لابد منه. فالهزيمة الفرنسية تجعل من مثل هذا الطرح شيئاً عبثياً وعن ذلك يتحدث رسم كاريكاتيري للجنرال اوساريس في مجلة شارلي هيدو الساخرة الفرنسية يظهر فيه وهو يزعم: «نعم، التعذيب كان ضروريا!» وفي السطر التالي يستطرد: «لولاه، لخسرنا الجزائر!».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.