جنين: تحقيق حول جريمة حرب

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

مايو 20, 2002
أمنون كابليوك * AMNON KAPELIOUK
المشهد يفوق الوصف. إنه الرعب متجسداً. منظر ما بعد الاعصار. منازل مدمرة، كلياً او جزئياً، بقايا الاسمنت والحديد والاسلاك الكهربائية مختلطة، سيارات سحقتها الدبابات أو الصواريخ تضفي على هذا المشهد الرهيب بعداً بربرياً. وتطغى فوق الأنقاض رائحة الجثث النتنة. لم يبقَ شيء من البنى التحتية.
 في وسط المخيم سهل واسع مستطيل الشكل، كان فيما مضى حي الحواشين الذي كان يضم حوالي 150 منزلاً (من أصل 1100 في مجمل المخيم). قامت جرافات ضخمة بتدمير هذا الحي كلياً قبل أن تمهد أرضه. وبين الأنقاض يهيم نساء وعجزة وأولاد ورجال منقّبون عن اقارب لهم مطمورين فيها.
 رجل ثلاثيني ينقّب الأرض بواسطة رفش فيما ابنه يرفع الردم بيديه على أمل ان يجدا أفراد عائلتهما الذين دفنوا أحياء. وعلى بعد عشرات الأمتار منهم يحاول ثلاثة رجال ان يُخرجوا والدهم المشوّه من بين بقايا ما كان منزلهم، وآخرون يفتشون عن بعض الأغراض في بيوتهم سابقاً، فمخيّم جنين هو أحد أكثر المخيمات فقراً في الضفة الغربية.
 وعلى زاوية مبنى نصف مدمّر، وقفت امرأة تنتحب وتصرخ: “الله يأخذ ثأرنا منك ويموّتك يا شارون!” وقد شددت على ان بعض أفراد عائلتها مطمورون تحت الأنقاض. وهناك بعض الأولاد ينقلون أنظارهم مذهولين، وقد محا الرعب كل بسمة عن وجوههم. وتعلّق امرأة نجت عائلتها بأكملها، إذ كانت قد هربت الى مدينة رام الله المجاورة يوم بدأ الهجوم على المخيم: “إن شارون، بعمليته المجنونة والإجرامية هذه قد جعل من جميع هؤلاء الفتيان انتحاريين سيفجرون أنفسهم مستقبلاً. فهذا المجرم بذاته هو الذي يدفعنا الى الرد بكل الوسائل لطرد جيشه ومستوطنيه من أرضنا”.
 “إن عمليات التدمير نُفّذت وفق مخطط بالغ الدقة، فقد أراد شارون ان يرهبنا”، هذا ما أوضحه محمد أبو الهيجا، وهو طبيب أسنان في الثانية والثلاثين من العمر، كانت عائلته قد طردت في العام 1948 من منطقة حيفا على غرار الكثير من سكان المخيم. أما المنازل فإن ما بين 80 و90 في المئة منها لم يعد صالحاً للسكن. فالخراب شامل في الجهة الشرقية وفي وسط المحلة. وقد عبّر السيد بيتر هانسن، المندوب العام للأونروا، عن ارتعابه وأعلن المخيم منطقة منكوبة.
 بدأ اجتياح جنين في 3 نيسان/أبريل، أي في اليوم الخامس من بدء الهجوم على المدن الفلسطينية في الضفة الغربية. وقد جاء الإيذان ببدء الهجوم على المخيم عبر القصف المكثف، بقذائف الدبابات والصواريخ من الهليكوبتر. وقد صدر قرار بمنع التجول فلاذ السكان المرعوبون بمنازلهم. وبما أن الدبابات لا تستطيع دخول الأزقة، راحت الجرافات الضخمة تدمّر المنازل على جانبي الطريق. ثم بدأت بعد أربعة أيام موجة ثانية من التدمير تدميراً منتظماً لوسط المخيم حيث كانت تقوم مبانٍ مؤلفة من طبقة الى ثلاث. وهنا كان بعض المقاتلين الفلسطينيين المسلحين ببنادق الكلاشينكوف والمتفجرات قد تجمعوا ليواجهوا أحد أحدث الجيوش في العالم. وكانت المعركة عنيفة وغير متكافئة مُني فيها الفلسطينيون بخسائر فادحة، وراح الجرحى ينازعون، وهم من المقاتلين إنما غالبيتهم من المدنيين، وذلك لأن الجيش منع سيارات الهلال الأحمر الفلسطيني من التجول في المخيم.
 وفي 9 نيسان/أبريل نصب المقاتلون الفلسطينيون كميناً للإسرائيليين سقط لهم فيه 13 جندياً. وعند ذاك أصدر الجيش تعليماته بالعمل على تجنب أي خسائر جديدة مهما كان الثمن. فصارت النار تُطلق فوراً على كل ما يتحرك. ألم يكن الجنود قد أُبلغوا بأن المخيم هو منبت لإرهابيي “حماس” و”الجهاد”؟ وهذا ما جاء يبرر في نظرهم العقوبة الجماعية للمخيم… فتزايد عند ذاك تفجير المنازل، وفي هذا المخيم كما في بقية المدن الفلسطينية دُمّرت في شكل منظم كل مؤسسة أو مكتب تابع للسلطة الفلسطينية، إذ كان المقصود محو كل رموزها ووسائلها.
 وفي شكل منتظم، فُتشت كل شقة، كانت العائلة تُجمَع كلها في غرفة واحدة ويروح الجنود يقلبون الأثاث ويفتحون الخزانات ويرمون كل شيء في الأرض زارعين فوضى لا توصف، وقد تضاعفت اعمال سرقة المال والمجوهرات وحتى السجائر (لـ”الذكرى” في لغتهم العسكرية). وكانوا عندما يريدون فتح الأبواب يستخدمون “كبشاً بشرياً” أي يدفعون أحد سكان المخيم أمامهم، وهذه الممارسة تعتبر من “جرائم الحرب”. فاذا لم يلقوا جواباً من وراء الباب فجّروه بالديناميت. ومن جملة الحوادث واحدة، حيث أكد “رجل كبش” للجندي انه سمع صوتاً داخل المنزل، الا ان هذا الأخير فجر الباب متسبباً بجرح امرأة بشكل بالغ. وقبل أن ينتقل الجندي الى الباب التالي قال له: “أنا آسف”.
 إن آثار جنين، المكشوفة على السماء، تشهد على إرادة التدمير هذه. لكن ماذا يقال في عدد الضحايا؟ كان عدد سكان المخيم 14500 نسمة. وعشية الهجوم الاسرائيلي فرّ بضعة آلاف من المكان ليلجأوا الى قرى مجاورة. وبعد يومين من دخول المدرعات دعا الجيش بواسطة مكبرات الصوت الفلسطينيين الى مغادرة المخيم، ولتسهيل رحيلهم رفع حظر التجول الذي كان قد فرض عند بدء العملية. وفي اليوم ذاته والأيام التالية رحل بضعة آلاف سيراً على الأقدام الى سبع قرى صغيرة في المنطقة، وبقي اربعة آلاف منهم مختبئين في منازلهم في ظروف مريعة، فلا ماء ولا غذاء ولا كهرباء ولا امكان للذهاب الى المستشفى، وفي جحيم من إطلاق الرصاص والقصف والتفجير ليل نهار.
 كانت طائرات الهليكوبتر “ترش” المخيم من دون رحمة، وهنا قامت بالمهمة فقط “الكوبرا”، تلك الطائرات “المخيفة” الرهيبة التي اشتغلت شغلها في حرب فيتنام. ويروي طيار من سرب “الكوبرا”، الكولونيل ش.: “طوال أيام المعارك أطلقت فرقتنا كميات هائلة من الصواريخ داخل مخيم اللاجئين، وقد استنفرت الفرقة بأكملها لهذه العملية، حتى الاحتياط (…) وخلال المعارك كان هناك دائماً فوق جنين طائرتا هليكوبتر مستعدتان لإطلاق الصواريخ على المنزل الذي تحدده لها القيادة على الأرض (…). وليس في امكان “مقاتلي الجو” أن يؤكدوا أن صواريخهم لم تصب مدنيين”.
 ولدى سؤاله: “ألا يشبه هذا لعبة فيديو وهمية؟ أنتم من الجو بصواريخ “تاو” وهم مسلحون فقط بالكلاشينكوف. أجاب” “نعم، ليست معركة متكافئة والأفضل أن تكون هكذا (…) فأنا لم أطلق أي صاروخ على النساء والأولاد، لكن ألم أحرم في نهاية الأمر بعض الناس الحياة؟ بالطبع نعم، ولم يكن في امكاني أن أفعل شيئاً” [2].
 وقد استغرق الاعداد لتدخل “الكوبرا” مئات الساعات من العمل. فالمخيم صُوِّر من الأقمار الصناعية، ورُقّمت المنازل بأعداد رباعية، وكان في حوزة كل طيارين خريطة وحين يتلقيان الأمر حول رقم ما، سرعان ما تنطلق الصواريخ على المنزل المشار اليه. فكم هو عدد الأشخاص الذين أصيبوا بهذه الصواريخ؟ وكم من القتلى سقط في صفوف المقاتلين؟ وكم من المدنيين الأبرياء؟ لا أحد يستطيع أن يجزم في ذلك.
 ويقول جندي احتياطي طلب عدم ذكر اسمه: “ليس من الصعب تخيل ما كان يحدث داخل المنازل بعد كل هذا القصف عليها (…) فبعد مصرع قائد فرقتنا في الدقائق الأولى من المعركة صدر الينا أمر في منتهى الوضوح: يجب إطلاق النار على كل نافذة ورش كل مبنى بالرصاص سواء صدرت النيران منه أم لا. لقد قيل لنا في شكل واضح: “حطموهم!” ومن تلك اللحظة أفرغنا ذخائر جميع الاسلحة التي كانت في حوزتنا ما عدا المدفعية. أطلقنا عشرات الصواريخ داخل المنازل واستخدمنا الرشاشات الثقيلة على كل نافذة. حتى أننا قضينا على جواد كان يمر في الشارع”.
 “وبحسب الأوامر كان يجب “إقلاق المخيم” كل ليلة. والهدف كان إطلاق النار (على المقاتلين) لاستفزازهم وحملهم على الرد لنطلق النار تماماً على مصادر النيران. الا أننا في الحقيقة أطلقنا كميات هائلة من الذخائر في مختلف الاتجاهات (…) وخلال حظر التجول كانت هناك “دوريات عنيفة”. كانت دبابة “تذرع” الشوارع المقفرة محطمة كل ما تواجهه في طريقها وتفتح النار على كل من يخرق حظر التجول”.
 وسئل: “هل رأيت ضحايا؟” أجاب: أنا شخصياً، كلا. كانوا في منازلهم، وفي الأيام الأخيرة من المعركة كان معظم الذين خرجوا من المباني وتعرضوا لنيراننا من العجزة والنساء والأولاد. لم ندع لهم أي فرصة لمغادرة المخيم، وكان العدد كبيراً. وفي احدى الليالي كنت أقوم بالحراسة (في شقة كنا استقررنا فيها). وظللت طوال الليل أسمع بكاء فتاة صغيرة. كان هناك حالة من انعدام الانسانية. من المؤكد أننا تعرضنا لنيران غزيرة لكننا في المقابل محونا مدينة من الوجود” [3].
 وفي 11 نيسان/أبريل توقف من بقي من المقاتلين الفلسطينيين عن المقاومة.
وفي اسرائيل صدم العدد الكبير من الضحايا في أوساط الفلسطينيين جميع الذين يرفضون سياسة القوة التي تنتهجها حكومة السيد أرييل شارون، وأيضاً جميع الذين يخشون ان يؤدي ذلك الى تشويه صورة اسرائيل. فتظاهر أنصار السلم في كبريات مدن البلاد، وحتى أنهم حاولوا أن يوصلوا المساعدات الانسانية الى السكان المنكوبين. ووزير الخارجية نفسه، السيد شيمون بيريس قد تخوف، بحسب صحيفة “هآرتس” من “ردات الفعل الدولية المعادية بمجرد ان ينكشف حجم معركة مخيم اللاجئين في جنين حيث قتل اكثر من مئة فلسطيني. وفي المداولات المغلقة وصف بيريز العملية بأنها مجزرة” [4] .
 وعندما أبدى رئيس الوزراء عن استيائه من هذه “التصريحات اللامسؤولة” أكد بيريز أن كلامه لم ينقل في شكل دقيق. لكن الوقائع دامغة وعدد الضحايا الفلسطينيين هو في ارتفاع مستمر. وقد روى زئيف شيف، الاختصاصي في الشؤون الدفاعية في صحيفة “هآرتس” والمعروف بعلاقته بالمؤسسة العسكرية أنه “بعد انتهاء المعارك وخلال أعمال التنقيب الأولى عثر على ثمانين جثة. ويقدّر أن عدد الضحايا الفلسطينيين في المعارك قد يصل الى 200، بينهم مدنيون دُفن قسم منهم تحت أنقاض المنازل المدمرة” [5]. فالعدد 200 هو أكيد إذاً، خصوصاً أن الناطق باسم الجيش الكولونيل رون كيتري يذكره أيضاً [6].
  أما سكان المخيم فيرون أن هذا العدد المقدر قليل. ومع ذلك فإن وزير الدفاع ممثل حزب العمل، بنيامين بن اليعازر، تدخل ليعلن أن “العدد الحقيقي” هو بضع عشرات. وفي افتتاحية له تساءل أحد الصحافيين الاسرائيليين: “هل من الممكن في معارك بضراوة معارك جنين التي كلفت الجيش الاسرائيلي حياة 23 جندياً وجرح فيها ستون، وقد شاركت فيها طائرات الهليكوبتر الهجومية والدبابات والجرافات الثقيلة، ومع عملية التدمير الكبيرة هذه، ان يكون عدد القتلى (الفلسطينيين) محدوداً الى هذه الدرجة. إن في هذه العملية الحسابية أمراً مبهماً” [7].
 فالجردة الدقيقة لعدد القتلى، وهو مرتفع في أي حال، ستبقى سراً طي المنازل المدمرة في وسط جنين وفي أماكن أخرى منها، وفي المقابر الفلسطينية والمقابر الجماعية التي حفرها الجيش. فخلال المعارك دفن السكان خمس عشرة جثة منها ثمانٍ أمام مستشفى المخيم. وفي القسم الشرقي من المخيم سهل واسع حيث، وبحسب بعض الشهود، حفر الجنود الاسرائيليون الأرض بواسطة البيلدوزر، و”على الأرجح أنهم دفنوا فيها بعض الجثث”. وبالقرب من المدافن دفنت بعض الجثث التي بقي عددها مجهولاً، كما انه لا يزال هناك عشرات الجثث في المراكز الصحية تنتظر من يدفنها.
 وأخيراً فإن غموضاً كبيراً يلف موضوع نقل الجثث التي جمعت من المخيم وشحنت أولاً الى غابة صادح شمال المحلة. ومن هناك وضبتها القيادة العسكرية في أكياس بلاستيكية سوداء ونقلت في شاحنات مبردة الى مقبرة حفرها وأعدها الجيش الاسرائيلي بالقرب من جسر دمياح في وادي الأردن للناشطين الفلسطينيين (“مقابر الارهابيين” بالنسبة الى الاسرائيليين، و”مقابر الأرقام” بالنسبة الى الفلسطينيين، بسبب الأرقام المسجلة وحدها على القبور). وقد توجهت بعض منظمات حقوق الانسان الاسرائيلية الى محكمة العدل العليا مطالبة بوقف عمليات الدفن هذه، لكن القسم “الأهم” من هذا العمل كان قد أنجز. أما كم هو عدد الجثث التي نقلت؟ فالجواب يبقى سراً…
 وهذا يعني أن اللجنة التي شكلها الأمين العام للأمم المتحدة لتقصي الحقائق في جنين، والتي لا يزال شارون يرفض تركيبها وأهدافها، ستواجه مهمة صعبة. أضف الى ذلك أنه سيكون عليها أن تدرس عملية منع الصليب الأحمر والهلال الأحمر على مدى خمسة عشر يوماً من التدخل وما يشكله هذا من خرق للمعاهدات الخاصة بحقوق الحرب.
 وقد طالب الفلسطينيون بإرسال معدات ثقيلة على جناح السرعة من أجل رفع أنقاض المنازل المدمرة سعياً لإنقاذ الأحياء. لكن إسرائيل التي تملك هذه الوسائل رفضت الطلب. لكن إحكام إغلاق المنطقة المنكوبة فترة طويلة أمام الصحافة المحلية والدولية، وهو أمر غير اعتيادي في البلاد، قد أثار الكثير من الشكوك فيما قدّمه الجيش والحكومة من تقارير حول الأرقام. فما الذي يستدعي الإخفاء هناك؟ إن الصحافة الإسرائيلية لم ترقَ الى مستوى الأحداث، باستثناء بعض الصحافيين الذين لم يذعنوا للشعار المطروح: “أصمت أو أطلق النار”.
من الآن وصاعداً بات مخيم اللاجئين الفلسطينيين في جنين مسجلاً على لائحة الجرائم التي طبعت الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، من مجزرة قبية (1953) الى مجزرة صبرا وشاتيلا (1982). والقاسم المشترك بينها كلها هو الجنرال أرييل شارون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحافي، القدس، مؤلف كتاب:

Sabra et Chatila, enquête sur un massacre, Seuil, Paris, 1982

[2] صحيفة “يديعوت احرونوت”، تل ابيب، 19/4/2002.

[3] المرجع السابق.

[4] صحيفة “هآرتس”، تل ابيب، 9/4/2002.

[5] “هآرتس”،12/4/2002.

[6] الصحيفة نفسها في 15/4/2002.

[7] صحيفة “يديعوت أحرونوت”، 19/4/2002.

ـــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن العالم الدبلوماسي ماي 2002

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.