قانون فضائل الاحتلال

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

يناير 8, 2006

بقلم الأستاذ المؤرخ أبو القاسم سعد الله

منذ عام والحبر يسيل غزيرا بشأن القانون الفرنسي الصادر في فبراير 2005 والمعترف بجميل فرنسا في المستعمرات وخاصة في المغرب العربي، والمنوه بفضل الجيش والساسة وعلماء الاستشراق وحلفائهم من أبناء المستعمرات والمساهمين معهم في تثبيت قواعد وقيم المدنية الفرنسية وفرض القوانين الاستثنائية على الأهالي (الأندجين) المتخلفين في نظرهم حضاريا. ولا نتوقع أن الحبر سينضب حول هذه المسألة ولو كان البحر مدادا، بل ربما سيزداد جريانا، سيما من قبل الشعوب التي عانت من الاستعمار وتشوهت هويتها بفعله وبنعل جحافل المغيرين وهم يحملون إليها أسلحة الدمار المتقدمة طيلة عقود من الزمن.

السكوت المخجل

نحن الآن في ميدان معركة وساحة جدال، ولكل طرف الحق في استعمال السلاح الذي يقدر عليه، من سلاح الحق والقانون إلى سلاح الكلمة والقلم. ومن الدبلوماسية إلى الغوغائية. ومهما كان السلاح فإن الحكمة تقول إن الهجوم خير من الدفاع، وقد بدأ الفرنسيون بالهجوم فلم يبق أمام الآخرين إلا الدفاع أو الفناء. وحضارة أي أمة، بل وجودها متوقف على قدرتها في الدفاع عن نفسها وتحويل دفاعها إلى هجوم، أو عليها أن ترضى بالانقراض. وذلك أنها إذا استسلمت أو تخاذلت فمصيرها الفناء، وكم في سلة التاريخ من أمم فانية وحضارات بائدة.
لن نفتح باب المحاسبة الآن فنسأل: لماذا لم نبدأ بالهجوم، ولدينا كل الحق وكل المنطق في فتح هذا الباب؟ ولماذا سكتنا على الاحتلال سكوتا مخجلا منذ اتفاقيات إيفيان؟ فالتاريخ قد سجل أننا أول من وقع عليه الفعل الاستعماري وأننا هوجمنا في عقر دارنا ظلما وعدوانا، وأن مسألة المروحة ليست إلا خرافة تشبه خرافة أسلحة الدمار الشامل اليوم في العراق. وقد أثبت الجزائريون عبر تاريخهم مع الاستعمار أنهم لم يستسلموا لمنطق الغالب والمغلوب وان السلام الروماني-الفرنسي لم يستتب ولم تعرفه الأرض الجزائرية. ولكن سكوتنا منذ اتفاقيات إيفيان سكوت أهل المقابر على السجل الفظيع للاحتلال وكأن صفحته قد طويت هو الذي جعل الفرنسيين اليوم يتطاولون علينا (وعلى أمثالنا) ويتباهون بأنهم كانوا في بلادنا يقومون بأداء رسالة حضارية لوجه الله والحضارة ويتباهون بأنهم كانوا في بلادنا يقومون بأداء رسالة حضارية لوجه الله والإنسانية. فنحن الذين بسكوتنا أعطيناهم سلاح الهجوم علينا بكل عنجهية، ولو تمسكنا بحقوقنا التاريخية وبمواقفنا التي تلخصت في ثورة نوفمبر للزم الفرنسيون حدودهم ولطلبوا منا الغفران على ما ارتكبوه في حقنا من موبقات وفظائع.

درس من الصين واليهود

انظروا إلى ما فعل أبناء الصين حين أصروا رسميا وشعبيا، على أن تعتذر اليابان للشعب الصيني على ما ارتكبته من فظائع أيام احتلالها لبلادهم، ولم يكتفوا منها بالاعتذار. وأقرأوا ما قام به الكوريون (الجنوبيون) عندما خرجوا عن بكرة أبيهم يطالبون اليابان أيضا بمراجعة كتاب التاريخ الموجه لتلاميذ الثانويات والذي يشيد بدور جيش احتلالها لبلادهم، وقد أصر الصينيون والكوريون، ومعهم الفيتناميون والماليزيون، على أن تنزع اليابان من كتاب التاريخ كل ما فيه تمجيد لجيشها حين احتل هذه الشعوب ولم يلقوا سلاحهم حتى استجابت اليابان لمطالبهم.
هذه الشعوب لها ذاكرة يقظة، وهي تقرأ التاريخ وتستفيد من دروسه وتخاف من حكمه. إنها تخشى أن يكتب عنها في طيات الزمن الآتي أن غيرها قد احتلها فلم تقاومه واستكانت لعدوها أو اعترفت له بالجميل، بعد أن احتل وأباد واغتصب، ومع ذلك لم يتحرك لها ضمير ولم ينبض منها قلب ولم يرتفع لها صوت. إن هذه الشعوب تخاف حكم التاريخ الذي لا يرحم وحكم الأجيال التي ستلعنها وترميها بالخزي والعار والخضوع لزبانية الاستعمار. وقد كان بإمكان هذه الشعوب الآسيوية أن تنغمس في شراء السلع اليابانية كما انغمسنا نحن في شراء السلع الفرنسية حتى أصبحنا نتباهى أمام العالم، دون خجل، بأن شريكنا التجاري الأول هو فرنسا.

08/01/2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.