يجب أن يستمر البحث عن طريق المصالحة الوطنية

صوت الجزائر

Byصوت الجزائر

سبتمبر 22, 2005

الأستاذ عبد الحميد مهري | صوت الجزائر | 22 سبتمبر 2005

كنت أظن أن مواقفي من المصالحة الوطنية معروفة بالقدر الذي يبرر عدم تكرارها في كل مناسبة. غير أني لم أستطع، هذه الأيام، تجاهل طلبات ملحة، صادرة من إخوة مناضلين وإعلاميين وأصدقاء أكن لهم كل التقدير والاحترام، لإبداء رأيي حول “مشروع ميثاق السلم والمصالحة الوطنية”، المعروض على الاستفتاء يوم 29 سبتمبر2005.
وأبدأ بتذكير قصير لموقفي من المصالحة الوطنية فيما يلي: إنني مع المصالحة الوطنية إذا كانت تعني جمع كلمة الأمة على حل سياسي شامل يتضمن الاتفاق على طريقة ناجعة لوضع حد نهائي للعنف، ورفع المظالم العديدة التي أفرزتها الأزمة، والتخفيف أو العفو عن العقوبات الصادرة عن القضاء، والاتفاق على حلول المشاكل والآثار السياسية التي تسببت فيها الأزمة سواء على مستوى البناء الداخلي أو العلاقات الخارجية. وهذه المصالحة ممكنة انطلاقا من بحث الأسباب العميقة للأزمة بروح المسؤولية والصراحة والتسامح بين جميع الأطراف. وإنني بطبيعة الحال أساند كل جهد يندرج في هذا المسار مهما كان مصدره، وخاصة إذا كان صادرا من أعلى سلطة في الدولة.
أما الاستفتاء الذي دعي له الشعب الجزائري يوم 29 سبتمبر المقبل، فهو ينحصر في نص غير قابل، بطبيعته، للنقاش أو التعديل. إنه مرسوم رئاسي، ومشروع ميثاق ملحق به ُيقبل كما هو في الاستفتاء (وهذا هو الاحتمال الغالب) أو يرفض (نظريا) كما هو.
ولهذا فإن مناقشة المشروع عديمة التأثير في مجرى الأمور. وإبداء الرأي حوله لا يبدو ضروريا لمن يوافق عليه أو يرفضه كله. لكن النص يتضمن ما يمكن قبوله وما يجب رفضه. وإني أبدي رأيي انطلاقا من النص المعروض للاستفتاء، لا من الخطب المسموعة أو الوعود المقطوعة. لأني أعتقد أن كل ورد فيه له دلالته وأهميته السياسية التي قد لا تظهر إلا عند التطبيق.
يظهر أن “مشروع ميثاق السلم والمصالحة”، عند القراءة المتأنية، يدور حول محورين أساسيين:
المحور الأول: وهو الشق الذي يبرزه الإعلام، ويتناوله الشرح ويطغى على الساحة السياسية، بصفة تكاد تكون مطلقة، يرمي لمعالجة بعض المظالم والتجاوزات والآثار الإنسانية والاجتماعية للأزمة، ويزكي جملة من الإجراءات القانونية أو الإدارية تتولى مؤسسات الدولة تنفيذها بعد الاستفتاء. ومن البديهي أن هذه التزكية تتطلب قدرا كبيرا من التسامح يجعل كل ما يجر إلى العقاب قابلا للعفو. وهذا الشق من المشروع لا يطرح، من وجهة نظري، مشاكل أساسية، فهو جزء ضروري من كل مصالحة وطنية حقيقية. ولكن ليس هو كل المصالحة.
المحور الثاني: وهو شق مسكوت عليه، يرمي لتزكية السياسة التي اتبعت في معالجة الأزمة منذ إيقاف المسار الديموقراطي. إذ يتبنى مشروع الميثاق، في جمل موزعة على النص، تحليلات هذه السياسة واستنتاجاتها وممنوعاتها ويتبنى جوهرها الأساسي وهو اعتماد الإقصاء كوسيلة لمعالجة ظاهرة الإسلام السياسي المعقدة، وكوسيلة للحيلولة دون تكرر المأساة. وهذا الشق يبت في قضايا أساسية هي جوهر الخلاف بين الجزائريين في معالجة الأزمة منذ نشأتها.
والجمع بين الشقين في مقاربة مزدوجة تجعل الاستفتاء في رأيي تزكية للشيء ونقيضه. لكنها عند واضعيها استمرار لخطة مرسومة ومتكاملة بدأت خطوطها تتضح منذ عشر سنوات أي منذ ترشيح اليمين زروال لرئاسة الجمهورية. وعناصر هذه الخطة، التي تسوق تحت شعار السلم والمصالحة، تقوم على العناصر التالية:
ـ التماسك بالسياسة التي اعتمدت في معالجة الأزمة منذ إيقاف المسار الديموقراطي كمرجع أساسي لكل معالجة لها.
ـ اتخاذ بعض التدابير، بين فترة وأخرى، لمعالجة الآثار الإنسانية أو الاجتماعية الناجمة عن هذه السياسة أو التخفيف منها.
ـ استبعاد كل بحث أو نقاش في الأسباب السياسية للأزمة أو معالجة آثارها السياسية على البناء الداخلي والعلاقات الخارجية.
ـ استبعاد كل أشكال الحوار مع القوى السياسية أو إشراكها في البحث عن حل جذري للأزمة.
ـ اللجوء للتدابير الفوقية عن طريق المراسيم أو التوجه مباشرة للاستفتاء الشعبي لتمرير مبادرات السلطة التي تريد حصر الأزمة في آثارها الإنسانية والاجتماعية.
وبهذا يكون ” الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية “، كما أكد ذلك واضعوه، استمرارا لهذه المقاربة المزدوجة بكل ما تحمله من تناقض ومحدودية. لكن مبادرة اليوم تختلف عن المبادرات السابقة بأنها تعرض، للمرة الأولى، على التزكية الشعبية، وبالتزامن مع إجراءات التهدئة، أسس السياسة التي فرضت كطريقة وحيدة لمعالجة الأزمة منذ سنة 1992.
وعلى ضوء ما تقدم فإن ” ميثاق السلم والمصالحة” يطرح، من وجهة نظري، عدة قضايا:
1 ـ إن السياسة التي اتبعت في معالجة الأزمة منذ نشأتها كانت اجتهادا من طرف بعض المسؤولين، وإن فرضت هذه السياسة في الواقع بشتى الوسائل. وكان انتقادها أو اقتراح بديل لها يعتبر مساسا بالمصلحة العليا للبلاد، وخيانة وطنية في بعض الحالات. فكيف يكون الأمر عندما تصبح هذه السياسة ” قرارا مزكى” من طرف الشعب بالاستفتاء العام؟ لقد أعطى رئيس الحكومة الحالي منذ الآن، وهو يبشر بمزايا المصالحة الوطنية التي اكتشف حسناتها بعد اثنتي عشرة سنة، مثالا على التسامح وبعد النظر في تطبيق “المصالحة الوطنية ” كما يفهمها، حين اتهم دون حياء، المسؤولين الجزائريين الذين قدموا “العقد الوطني ” لحل الأزمة بأنهم باعوا بلادهم‼ إن تلك السياسة، التي اتبعت في معالجة الأزمة يعرفها الناس ويعرفون نتائجها. فهل تؤهلها نتائجها للتزكية الشعبية لتبقى كما كانت، الأداة الوحيدة للتعامل مع الأزمة لعشرية أخرى؟ وهل يمكن، موضوعيا، تبرئة هذه السياسة تماما من بعض الآثار المأسوية التي يعالجها الشق الأول من الوثيقة المعروضة على الاستفتاء؟ وأخيرا هل يعني مواصلة هذه السياسة أن الأسباب التي أملتها مازالت قائمة، وفي هذه الحالة ألا يكون من المنطقي أن نتساءل عن فعاليتها بعد تطبيقها طيلة اثنتي عشرة سنة؟ أم أنها تستمر، هكذا، بدون أسباب موجبة ‼؟
2 ـ من المؤكد أن الطريق لمعرفة حقيقة بعض المآسي التي أفرزتها الأزمة شائك ومعقد. لكن الرواية الرسمية لهذه المآسي، والتي يزكيها “ميثاق السلم والمصالحة ” بجرة قلم، لا تغطي الحقيقة كاملة. وأعتقد انه آن الأوان أن ندرك أن معرفة الحقيقة حول هذه المآسي ليست دائما مرحلة قانونية لإنزال العقاب. بل إنها قد تكون أفضل طريق للتسامح والتعاون على بناء المستقبل. ومعرفة الحقيقة، من جهة أخرى، حق للأفراد المعنيين لا يمكن التنازل عنه إلا برضاهم، وحق للمجتمع المدعو لاستخلاص العبرة من هذه المآسي التي تفجرت في حضنه والتي تمثل معرفة الحقيقة أحسن ضمان لعدم تكرارها.
إن المذابح الجماعية، وقتل النساء والأطفال، وفقد عشرات الآلاف من المواطنين في ظروف غامضة، وغيرها من المآسي التي أفرزتها الأزمة، ليست أحداثا عادية في تاريخ الأمم. وأسوأ طريقة للتعامل معها هي محاولة تغطيتها بالنسيان وإقامة الحواجز دون معرفة الأسباب والظروف التي ولدتها.
3 ـ ورد في مشروع الميثاق: ” إن الشعب الجزائري… يقرر بسيادة حظر ممارسة أي نشاط سياسي، تحت أي غطاء كان، على كل من كانت له مسؤولية في هذا العبث بالدين”. وإنني أشك كثيرا في دستورية الحكم الذي يستصدر من الشعب عن طريق الاستفتاء، بعيدا عن القضاء وعن الضمانات القضائية، ليجرد بصفة جماعية فئة من المواطنين، معينة بموصفات قابلة للتمطيط والتأويل، من حقوق يضمنها الدستور لجميع المواطنين. وأعتقد أنه ليس لرئيس الجمهورية، الذي يفوضه الميثاق ” اتخاذ جميع الإجراءات قصد تجسيد ما جاء في بنوده “، رغم الاحترام الواجب لمقامه، حق التصرف في الحريات العامة. فإذا صح فهمي، والتصحيح يعود لفقهاء القانون الدستوري، فإنني أخشى أن تبعد هذه المقاربة في معالجة الأزمة، نظام الحكم في بلادنا عن دائرة المقاييس العالمية للنظم الديموقراطية. وتكون في هذه الحالة، على الأخص، مؤشرا غير حسن في طريق تعديل الدستور، إذا كانت البلاد مقدمة على ذلك.
4 ـ جاء في مشروع الميثاق: “.. لقد تيقن الجزائريون والجزائريات من أنه، من دون عودة السلم والأمن، لن يثمر أي مسعى من مساعي التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالثمار التي يتوخونها منه”. كما جاء فيه: ” إن المصالحة الوطنية.. مطلب غير قابل للتأجيل نظرا لما تواجهه الجزائر من تحديات التنمية العديدة.” هذه الحقيقة، التي يؤكدها مشروع الميثاق، تطرح سؤالا كبيرا عن جدوى مشاريع التنمية التي تخصص لها مبالغ ضخمة، إذا استمر تأجيل معالجة الجوانب السياسية للأزمة، نشأتها وتطورها وآثارها الخطيرة على وضع البلاد الداخلي والخارجي. إن التقليص من العنف، ورفع المظالم، والتخفيف من معاناة المتضررين من الأزمة وضحاياها، مساع يؤيدها كل عاقل. ولكنها لا تعوض التغيير السياسي الذي كان مطلبا ملحا عند اندلاع الأزمة ولم يزده استمرارها وتطوراتها إلا إلحاحا وأهمية. لقد رفعت السلطة، منذ عشر سنوات (نعم منذ عشر سنوات‼) لواء السلم والرحمة والتسامح، وأقدمت بالفعل على اتخاذ تدابير للتقليص من العنف والتخفيف من معاناة ضحايا المأساة الوطنية، لكنها كانت تؤجل الحل السياسي الذي هو الوحيد الذي يضمن نجاح مشاريع التنمية، ويزيد من قدرة البلاد على مواجهة التحديات التي أشار لها مشروع الميثاق. وقد قيل لنا هذه المرة أيضا إن الموازنات الداخلية لا تسمح بمحاولة حل الأزمة بأبعادها الحقيقية ولا بد من انتظار سنوات أخرى لتحقيق ذلك. ومعنى هذا أن هذه الموازنات الداخلية تحكم على البلاد،
سنوات طويلة أخرى، بالعقم في المشاريع التنموية والتخبط في مواجهة التحديات والموازنات الخارجية التي تفرض علينا، مثلا، سياسة معينة في ميدان مصيري كميدان المحروقات. وهل آن الأوان أن يعرف الشعب حقيقة هذه التوازنات الداخلية التي تمسك بخناقه منذ سنين طويلة؟
5 ـ أستنتج من الطريقة الفوقية التي طرحت بها قضية المصالحة الوطنية، وبعض الجمل الواردة في نص المشروع، أن الميثاق المعروض على الاستفتاء يكون في المستقبل هو المرجع الوحيد لمعالجة الأزمة، والإطار الوحيد الذي تتوفر فيه حرية التعبير حول القضايا الخطيرة التي تطرحها. وبمعنى آخر، إن هذا الميثاق مرشح ليكون كمصحف عثمان(‼؟) إنني أرجو أن أكون، هنا أيضا، مخطئا في هذا الفهم أو هذا التحليل. لكنني أعتقد اعتقادا جازما أن طريق البحث عن حل جذري للأزمة المتعددة الجوانب التي تهدد بلادنا وأبناءنا، يجب أن يكون مفتوحا أمام كل الجزائريين قبل الاستفتاء وبعده. وأن المصالحة الوطنية الحقة هي التي تفتح جميع الأبواب على النقاش السياسي والتعبير الحر، لا تلك التي تغلق أبوابا أخرى. وإنني متأكد من وجود جهات ضيقت على التعبير السياسي بدعوى استفحال الأزمة وتريد التضييق عليه اليوم أكثر بدعوى أن الأزمة هي في طريق الحل.
عبد الحميد مهري
 الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.