2021-11-27

صوت الجزائر

منبر حر مستقل، خدمة للحقيقة وتواصل مستمر

وفاة الأستاذ عبد الحميد براهيمي

توفي يوم الأحد 15 أوت الجاري رئيس الحكومة الأسبق، البروفيسور عبد الحميد براهيمي.. بحثت عن خبر وفاته في جرائد ومواقع صحافة الاشهار، فلم أجد له أثر.. قلت لربما يبعث (تبون) رسالة تعزية لعائلة المرحوم.. لا أثر.. قلت ربما أن الوزير الأول الحالي يتذكر الأستاذ براهيمي، والأعراف والبروتكولات تجامل في هكذا مواقف، فحتى وإن لم يكن يتفق مع سلفه، يلزمه إرسال برقية تعزية.. لكن لا أثر!

لا أعتقد أن الاستاذ عبد الحميد براهيمي يحتاج لتعازيهم.. لكن كما قلت من باب المجاملة والاحترام.. كان على رموز النظام الحاليين، تذكره..

التقيت الأستاذ عبد الحميد براهيمي لأول مرة في مارس عام 1998.. كنت أقيم بمدينة (بون) عاصمة ألمانيا الإتحادية آنذاك، قبل أن تتحول في خريف نفس العام إلى برلين.

كنا قد ودعنا قبل ذلك سنة مملوءة بالمجازر، والاختطافات، والقتل، والدمار.. بن طلحة والريس وبني مسوس وغيرها من المجازر الدامية.. في المجموع كانت هناك 14 مجزرة في عام 1997..

في 4 يناير 1998 ارتكبت مجزرة الرمكة التي خلفت أكثر من ألف ضحية، تبعتها مجازر أخرى سادية وأليمة..

في سنوات الدم والدموع تلك، لم يكن لذوي قلب ينبض الصمت أو عدم الاهتمام.

كنت على اتصال بعدة منظمات وأحزاب بمدينة بون، ومنهم مكتب حزب الخضر، لهذا طلبت منه إن كان يستطيع مراسلة المكتب الاتحادي للحزب، أو نوابه في البرلمان، لتوجيه دعوة للأستاذ براهيمي لزيارة البرلمان (Bundestag)، حتى يشرح الوضعية الجزائرية.. وبالفعل وجهت له الدعوة.. ودخلت مع الأستاذ براهيمي يوم الجمعة 27 مارس 1998 برلمان الإتحاد، وكان هناك حضور لبعض نواب الخضر والحزب المسيحي الديمقراطي، وكاتب الدولة في وزارة الخارجية الألمانية المكلف بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبعض الصحفيين..

كان حديث الأستاذ براهيمي كله تقريبا عن تدخل فرنسا في المعضلة الجزائرية، ودعمها لجنرالات القتل.. طالبا منهم ومن أوروبا التدخل لحث فرنسا رفع يدها عن الجزائر، حتى تترك الجزائريين يعيشون في أمن وسلام.

استغرقت كلمة الأستاذ حوالي ساعة، ثم كانت بعض الأسئلة والنقاشات.. على هامش اللقاء، تحادثت مع نائبة برلمانية من الخضر، فأخبرتني أن الأستاذ المحامي علي يحي عبد النور كان عندهم الأسبوع الذي مضى، وكانت مطالبه تقريبا نفس مطالب الأستاذ براهيمي.. وقالت لي أن الذي يعرقل طرح القضية الجزائرية للنقاش في البرلمان أو إصدار بيان حول المجازر، هو الحزب الاشتراكي الديمقراطي وهو معروف عنه محاباته للأنظمة الدكتاتورية، وخاصة تلك التي تميل إلى الفكر اليساري.

التقيت الأستاذ براهيمي للمرة الثانية في جنيف عام 2002 على هامش معرض الكتاب الذي كان ضيفه الشرفي الدول العربية.. أجريت معه حوارا قصيرا منشور على هذا الرابط:

يمتاز الأستاذ عبد الحميد براهيمي بالبساطة واحترامه للجميع.. متواضع، ولكنه جدي في النقاش.. الثلاثة أيام التي مكثها في مدينة (بون) أفادتنا كثيرا وتعلمنا منه الكثير.. بقيت على اتصال معه وأسأل عن أحواله بالهاتف عندما كان يقيم بلندن، وكان من مرة إلى أخرى يرسل لي مقالته التي ينشرها في الصحف الخليجية بالعربية والإنجليزية، وكنت بدوري أعيد أنشرها في موقع صوت الجزائر..  سعدت لدخوله الجزائر وعودته إلى بلاده في فيفري 2016.

أخبرني أنه عندما غادر البلاد باتجاه لندن لم يكن يملك أكثر من 110 دولار على شكل شيكات سياحية.. هو مفجر قضية الـ 26 مليار دولار التي كانت تؤخذ على شكل عمولات على البضائع والتجهيزات التي كانت تستوردها الجزائر. تكلم بإسهاب عن ضباط فرنسا في كتابه ” في أصل الأزمة الجزائرية 1958 ـ 1999″ وذكرهم واحد بواحد.. لهذا انتقموا منه أن طلبوا من عبيدهم تجاهل حدث وفاته.

رحم الله أستاذنا عبد الحميد براهيمي واسكنه فسيح الجنان.