كتب: علي فودي | صوت الجزائر | هانوفر يوم 29 مارس 2021

     في صيف عام 1973 كنا نحن مجموعة من الفتية نتعلم القرآن في جامع القرية، عندما وقفت دورية من الدرك غير بعيد من الجامع.. نادت على المعلم أن يتقدم منهم.. ذهب ودردش معهم قليلا، ثم عاد عندنا ليخبرنا أن نعود إلى بيوتنا.. فلم يعد مسموح به تعلم القرآن الكريم!

     في الدولة المدنية.. لا يقول لك ممنوع وانتهى الأمر.. بل يعطيك مدة محددة تمارس فيها حق المواطنة والاعتراض على القرار.. عندما تستنفد كل الإجراءات الإدارية والقضائية وتخسر القضية.. عندها فقط تمنع من التدريس أو تحرم من الشيء المعني محل النزاع..

    ارتأيت بهذه المقدمة الصغيرة الدخول في موضوع الرد على ما جاء في افتتاحية الجيش عدد مارس 2021

    ولكن قبل هذا نقول بكل حرية وصراحة:

    الجزائريون بكل مشاربهم (باستثناء تنظيم انفصالي معروف له تجذره في الإدارة الجزائرية) يحبون جيشهم وهو منهم.. ونحن جميعا نحب هذا الجيش أن يكون قويا محترفا يتوفر على أحدث الأسلحة ويحمي الحدود ويبعد المخاطر عن الجزائر.

    اذن مؤسسة الجيش هي بريئة مما يعبر عنه المواطن.. لأن الذي يقصده بنقده هم شرذمة من الجنرالات والضباط الذين يختبئون وراء المؤسسة لخدمة أجندة خاصة، من تجارة وفساد وربح على حساب الشعب.. والضغط من خلال هذه المؤسسة الرهينة لتحريك السياسيين واستغلالهم.. لهذا نحن نتكلم بكل وضوح عن حكم عسكري بطابع مدني.. يكفي أن نذكر جنرالات السكر والقهوة والزيت والسيارات المستعملة.. ويكفي أن نشير إلى المسؤول المباشر عن الفساد والتغطية عليه، لتكون تلك المواقف الرافضة لتدخل الجيش في الحكم أكثر من شرعية وضرورية.

تكلمت الافتتاحية عن "حزمة من الإجراءات والقرارات التاريخية الشجاعة، صبت كلها في مصلحة المواطن والوطن، مثل حل المجلس الشعبي الوطني لتنظيم انتخابات تشريعية نزيهة" وإلخ..

الحقيقة أن الذي صدر من السيد تبون كله يصب في خدمة الطغمة والنظام الذي يتجدد بالمناسبات والاستحقاقات الصورية.. فالكل يعرف أن الانتخابات القادمة هي شبيهة التي سبقتها.. في الطريقة والنتائج.. ماعدا ربما ادخال تنظيم جديد يخدم المرحلة كما خدمتها جبهة التحرير (حزب الحثالة بعد 62) ومثلما خدمها حزب أويحيى بعد 1997.

لا يمكن أن نتكلم عن قرارات تصب في خدمة المواطن، وهذا المواطن يرفض هذا النظام بنسبة 87% (عبر عن ذلك في التصويت ضد دستور الأقلية الفاسدة المنتفعة).

تكلمت كذلك عن "العفو الرئاسي واعتبرت هذه الإجراءات لم تعجب كالعادة محترفي الافك والتضليل ـ دولا كانوا، عصابات أو أفرادا ـ هذه الأطراف تشبه الخفافيش تهوى الظلام والسواد، تستثمر حتى في الحراك والوباء، سلاحها التفرقة والتعفين ومشروعها فك روابط اللحمة بين الشعب وجيشه وإعادة النظر في كل ثوابت الأمة وإعادة النظر في كل ثوابت الأمة وفي مقدمتها النهج النوفمبري الأصيل".

أولا علينا بتسمية الأشياء بمسمياتها.. فذلك لم يكن عفوا، بل اعتراف ضمني بوجود سجناء رأي أطلق سراحهم تحت ضغط أممي واضح.. لأول مرة منذ 1992 يتحرك المجتمع الدولي لتسجيل اختراقات حقوق الإنسان في الجزائر والتنديد بها.. ثم ومنذ ذلك التاريخ هناك مئات المعتقلين الجدد الذين اعتقلوا لأنهم شاركوا بكل سلمية في الحراك السلمي ورفعوا شعارات معادية لجنرالات الاستئصال.. أما إعادة النظر في ثوابت الأمة فقد تم ذلك رسميا عبر تمرير دستور الشرذمة الفاسدة المفسدة.. ولهذا نقول:

كيف نفسر ظاهرة بلد دستورها يقول الإسلام دين الدولة فيها كل أمراض الدنيا من فساد.. رشوة.. محسوبية.. قتل.. تعذيب.. اغتصاب.. مخدرات.. دعارة.. غش وعمولات..

وكيف نفسر ظاهرة بلد دستورها يقر بأن اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية والمراسلات والوثائق الرسمية ترسل بالفرنسية؟

فالنظام العسكري الحاكم يعيش في العالم الافتراضي والشباب الذي يعبر عن رأيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي يعيش الواقع الجزائري المر.. وهذا الواقع المر هو الذي حتم على الشباب ركوب أخطار البحر للوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وقد توقفت هذه الظاهرة مع انطلاق الحراك عام 2019، قبل عودتها بقوة مع اجهاض مطالب الحراك من طرف القايد صالح وعصابته.

كما كتبت تقول: "فلا عائق يقف أمام مسيرة الجزائر الجديدة، ولنا من تاريخنا حفظ الدروس واستلهام العبر والنهل من تضحيات شهدائنا الأبرار، لنعيد بلادنا الى سكتها الصحيحة وتواصل شق طريقها بثبات وقوة ولا تلتفت إلى دكاكين الغش وضباع الفتنة ومحترفي الأكاذيب والإشاعات وكذا الحالمين والمتوهمين بجزائر "مشتتة" ضعيفة!

إنهم كالنعامة يرفضون عن عنجهية ومكابرة الاعتراف بأن الجزائر الجديدة أضحت واقعا ماثلا للعيان تشتق طريقها بحكمة وثبات وثقة".

 الافتتاحية تعترف هنا أن الجزائر خارج السكة.. هذا يعني أن الحكم غير شرعي.. "لنعيد بلادنا الى سكتها الصحيحة!" متى يحدث هذا؟ ألا تخجلون من ذكر هذا بعد ما يقارب الـ 60 عام من الاستقلال المفروغ من محتواه؟ نحن نرى أن الجزائر في كل يوم جديد تتأخر خطوة الى الوراء.. وفي الوقت الذي تحققت فيه بعض مطالب المواطنة في عهد بوتفليقة، نرى الغائها الآن والعودة للدولة البوليسية الشمولية وسياسة الكل أمني.

مشكلة الشعب أن النظام تصرف ويتصرف كصعلوك يتعامل مع الجزائر وشعبها كغنيمة حرب.. يستفرد أفراده لوحدهم بخيرات البلاد ويعاملون باق الشعب كعبيد الحقل وعبيد البيت، يدفعون لهم أجور كسر الجوع.. إن العصابة الحاكمة تعتقد أنها ورثت الجزائر ولهذا يحق لها التصرف فيها كما يحلو لها..

شخصيا أعترف بأني أكثر راديكالية عندما يتعلق الأمر بمدنية الدولة، وأذهب أبعد مما يرفع من شعارات في الحراك السلمي.. فبالنسبة لي ليس فقط الحكم يصبح مدنيا بالكامل، بل حتى الضباط والجنرالات عليهم بتغيير التصرفات التي اكتسبوها وورثوها عن ضباط جيش الحدود ومن ولاه، الذي دخل الجزائر العاصمة في عام 1962 لاغتصاب السلطة وفرض الحكم العسكري.. لقد تعلم أولئك احتقار الشعب والتعالي عليه خارج الحدود وفي مراكز الجبال.. هناك تعلموا كيف يتصرفون على الطريقة الاستعمارية، ولأنهم كانوا يشبعون الأكل والقرى تموت وتجوع، اعتقدوا أن هذا امتياز ومكسب لن يتخلوا عنه!

لهذا تعتقد هذه الجماعة ومنذ 1962 أنها وحدها فقط المعنية بالاستقلال.. الباقي يواصل حياة الحرمان والذل كما كان يعيش تحت الاستعمار الفرنسي المباشر!

الذي نعيشه ونحياه الآن وكنتيجة لتحالف البطن الشبعانة والعقل الفارغ:

. أن أكثر من 15 ألف طبيب وطبيبة هجروا البلد.. في فرنسا وحدها هناك 14 ألف منهم..

.  الرئيس والوزراء والجنرالات يعالجون في الخارج.. والشعب بدون علاج ولا يجد حتى الدواء الذي يخفف به الآلام..

. المناصب السيادية العسكرية والمدنية من نصيب أبناء النظام، بما يشبه توريث الحكم وانتقاله من الآباء إلى الأبناء والأقارب والأحباب.

. المواطن محروم من المشاركة في التنمية الحقيقية، لأنه يمنع من اكتساب التكنولوجيا والحصول على الآلات الثقيلة، التي تعفي الجزائر من الاعتماد على يد عاملة أجنبية ومؤسسات أجنبية، لا امتياز لها سوى أنها تستفيد في بلدانها من الليبرالية الاقتصادية ويحق لها شراء أي آلة يجدونها في السوق.

. ما نشاهده هذه الأيام من مهزلة ندرة زيت المائدة وقبله الحليب.. رغم ذلك يعتقد النظام العسكري أن هذا طبيعي جدا، طالما أن المستهدف هو الأغلبية المحرومة.

     جيوش الدول المحترمة ليست غاية في حد ذاتها بحيث أن كل شيء يضبط من أجلها وهي الحكم وصاحب الحق.. إنما هي وسيلة لحماية الوطن والذود عن الديار.. لا لكسب المنافع وتحطيم معنويات الشعب بالبيروقراطية والسيطرة على كل دواليب الحكم مثلما يحدث عندنا، حيث إنك كمواطن لا يحق لك أي شيء طالما أنك لا تحوز ـ أو لا تريد ـ على توصية من جهات أمنية وعسكرية.

ولهذا تفكير العصابة مثلا في سحب الجنسية الأصلية من الجزائريين المعارضين لها، هو في حقيقة الأمر تثبيت لأمر واقع لا أكثر!

فليست الجنسية التي تعطيك حقوقك في الجزائر والدليل أن الصيني والتركي والإيطالي وكل أجناس الأرض لهم مكانة أحسن من مكانة الأغلبية الجزائرية حملة الجنسية الجزائرية، إنما الحقوق تؤخذ بالواسطة والرشوة والمحسوبية وغيرها من الأمراض التي بنى عليها نظام العسكر عام 1962 حكمه..

وليست الجنسية هي التي تساوي بين الجزائريين، لأنه لا توجد هناك مساواة وإنما الحقوق تعطى لمن يمشي مع النظام والذي لا يعترض على الفساد والذي يقبل الدخول في عملية إعادة تدوير ودمج في منصب جديد وان طال الانتظار..

شخصيا أعترف إني لا أتمتع بالاستقلال في بلادي ولا يحق لي الاستفادة بكثير من الحقوق التي تتوفر عليها أقلية قليلة.. في جوان 2015 ذهبت الى مديرية بوزارة الاعلام والاتصال لتقديم طلب اصدار جريدة عامة.. فقال لي نائب المدير المكلف وبالحرف: "لا يمكننا اعطائك هذا الحق حتى وإن كنت تتوفر فيك الشروط"! نعم ابن الحركي العميل يتمتع بمال الشعب ويؤسس ما يريد من جرائد وقنوات وغيره من أبناء الوطن يحرمون من حقوقهم ولا يحق لهم ممارسة المهنة التي يملكون فيها المؤهلات!

إن الدولة المدنية التي ننشدها ستكون قوية بجيشها الذي يقوم بدوره الدستوري بعيدا عن السياسة واستغلال القوة والسلاح لترهيب المواطن وسلب حقوقه.. هذه الدولة لن تصبح حقيقة ظاهرة موجودة، قبل أن تتحقق بعض الركائز التي تتشكل منها الدولة المدنية فيما بعد، وإن لم تتحقق هذه الركائز في بلدنا الجزائر، فستبقى بلدا متخلفا، الظلم والقهر والاحتقار الطابع لحكم نظامها:

1.     إلغاء ما يعرف بمنظمة المجاهدين ووزارة المجاهدين.. بدون الغاء امتيازات هذه الفئة التي أخذت مكان "الكولون" لن تتحقق العدالة على أرض الجزائر.

2.     انتخاب الوالي ورئيس الدائرة مباشرة من الشعب ومن سكان الولاية أو الدائرة.. كل بلدان العالم ينتخب فيها المسؤولين المحليين إلا في الجزائر وكوريا الشمالية يعينان من طرف السلطة المركزية؟

3.     ابعاد الدرك الوطني عن التعامل مع الشعب مباشرة، وإعطاء مهامه للشرطة التي توسع صلاحياتها وتضبط بقوانين تحمي المواطن. وتحديد مهام الدرك في محاربة الجرائم الكبرى من إرهاب وتهريب وتجارة المخدرات والاختطاف والجرائم الاقتصادية كالتهرب الجبائي وغيرها..

4.     الحاق مديرية الأمن الداخلي بوزارة الداخلية، وإلحاق (أو اعادتها) مديرية الأمن الخارجي بالرئاسة.. علما أن السيد بوتفليقة تصرف في عام 2015 بشكل صحيح عندما ألحق هذه المديرية بالرئاسة كما في بلدان الغرب وروسيا.

5.     استقلالية الانتخابات وليبراليتها.. دون فرض شروط مسبقة وفتح موقع الكتروني ملحق بالجهة التي تشرف على الانتخابات، تنشر فيه النتائج تباعا وبكل شفافية.

6.     مسؤولية الرئيس أمام برلمان منتخب.. أو تحويل منصبه الى منصب شرفي وانشاء منصب رئيس الوزراء المسؤول أمام ممثلي الشعب.

7.     حصر الجيش داخل الثكنات وتجريم استغلال المنتسبين لهذه المؤسسة الهامة والمحدد عملها دستوريا لتحقيق مكاسب فردية.. لقد أصبحت القبعة والمرتبة العسكرية عبارة عن طاقية الإخفاء.. تخفي تحتها كل الجرائم التي تحدث في الجزائر.

8.     حل وكالة الإشهار وإعطاء الحرية للجرائد في الحصول على الاشهار من المعنيين مباشرة وتوقيف صدور مجلة الجيش، لأن هذه المجلة ومع صدور كل عدد تبين للناس من يحكم الجزائر فعلا.. جيوش البلدان الديمقراطية والحكومات المدنية لا تتدخل في السياسة لا بجريدة ولا مجلة ولا حوار أو مقال.. مهامها واضح..

9.      نقاش ميزانية الجيش أمام مجلس شعبي منتخب بكل حرية وديمقراطية ومسؤولية قيادة الأركان أمام لجنة الدفاع والتسليح التابعة لهذا للمجلس المذكور.

10.إمكانية كل مواطن يحتقر أو يسلب حقه أمام الإدارة من رفع شكوى أمام محكمة إدارية لاسترجاع الحق.

     لقد فشل النظام العسكري وخلق وضعية لا نستطيع سوى وصفها بالوضعية الاستعمارية.. الشعب يعيش تحت سلطة غاشمة تمارس الحرمان وتدير سياسة ندرة المواد الغذائية، لقهر الشعب وجعله يهتم بأبسط أمور الحياة، ولا يهتم بسياسة النظام الاجرامية.. أراض الجزائر تتوفر على مساحة تستطيع انتاج ما تحتاجه القارة الافريقية كلها، والشعب يجري يوميا وراء الدقيق، والزيت، والحليب، والدجاج..

عاشت الجزائر حرة ديمقراطية مدنية اجتماعية..

الخلود لشهداء الجزائر عبر التاريخ..

يعيش الحراك السلمي المتمدن، حتى يسود حكم مدني يخدم الجزائريين.. كل الجزائريين.. لا يكون فيه الفرق بين الجزائريين سوى بالعمل والجهد الذي يقدمونه لخدمة بلدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *